|
امريكا مصابة بالعمى والخوف
والعزلة
زبيغنيو بريجنسكي
اعتقد ان
موقفي قد اصبح واضحا, فأنا افضل قرارا امريكيا بالرحيل عن العراق, اما
الطريقة التي افضلها لذلك فهي الطلب الى الزعماء العراقيين بان يطلبوا منا
الرحيل.
اعتقد ان
هناك زعماء عراقيين سوف يطلبون منا الرحيل, والبعض منهم يعارض الاحتلال
علنيا, وهناك آخرون يشعرون بان مكانتهم السياسة سوف تتعزز في حالة تماهيهم
مع كراهية الشعب العراقي للاحتلال, وهناك بالطبع من لا يرغب في ان يطلب منا
الرحيل, هؤلاء هم الاشخاص الذين سيكون عليهم ان يرحلوا برحيلنا, وهذا يكفي
لاعطائنا فكرة عن مدى قابليتهم للقيادة. اعتقد ان علينا ان نطلب من
العراقيين ان يطالبونا بالرحيل وان نعاملهم كبالغين وليس كربائب استعمارية
كما نفعل الان.
اننا
نعلمهم الديمقراطية في نفس الوقت الذي نعتقلهم فيه, ونقصفهم, ونذلهم انه
نهج مزدوج للديمقراطية وهو نوع من السلوك غير المؤهل لرعاية الديمقراطية
وتشجيعها.
اعتقد ان
علينا ان نحدد موعدا لانهاء الاحتلال. في مقالة سابقة دعوت الى ان يكون
الموعد هو نهاية السنة الحالية, وانا لست متشددا بشأن موعد محدد, فقد يتأخر
الموعد عن ذلك التاريخ او يتقدم لكن اعتقد ان علينا ان نتمكن في بحر سنة من
اتمام عملية نظامية لفك الاشتباك, كما اعتقد ان هذه العملية ستكون مفيدة
جدا للعقول العراقية التي سيكون عليها ان تعرف ما الذي سيلي ذلك.
لا اؤمن
مطلقا بالحجة القائلة بان تحديد موعد للانسحاب يمكن ان يكون في صالح
التمرد, وان المتمردين سوف يختبئون في الكهوف بانتظار ساعة الانقضاض التي
ستحين برحيلنا. ان التمرد في العراق ليس من هذا النوع, فهو حركة تلقائية
مبعثرة الصفوف يمكن اعتبارها تعبيرا لما يحس به المجتمع العراقي.
ولو كان
الامر لي, لشجعت الحكومة العراقية على ان تتولى بنفسها الدعوة الى مؤتمر
اقليمي, وان لا اترك الامر للامريكان لكي يقوموا بذلك, وليكن مؤتمرا
اقليميا للدول الاسلامية المجاورة للعراق والبعيدة عنه يشمل تركيا وايران
ايضا.
اتابع في
الانباء استعداد الايرانيين للحديث حول المزيد من الاستقرار في العراق,
وللتعامل مع قضايا ما بعد فك الاشتباك وهذا امر لصالح الايرانيين لذلك لا
يمكن اعتباره التماسا منهم للمساعدة, وهو بالتأكيد ليس التماسا من اجل
احلال محتل محل محتل آخر, انما هو مطلب من الايرانيين بالتعامل مع
العراقيين استنادا الى مبادرة عراقية تتعلق بتحقيق الاستقرار بعد رحيل
الامريكيين.
وبوسعنا نحن
ايضا, ان ندعو الاوروبيين واليابانيين وغيرهم, وربما حتى الصينيين, للعمل
بشكل مباشر في تقديم ما يمكن ان يكون مفيدا في تحسين ظروف العراق في فترة
ما بعد الرحيل, لكن هذا كله يجب ان يجري ضمن اجواء تحملنا على مواجهة
الحقيقة المتمثلة في ان سياستنا في العراق اصبحت, في الكثير من جوانبها,
عارضا من اعراض العمى الاقليمي الاوسع الذي نعاني منه والعزلة الذاتية التي
نفرضها على انفسنا على الصعيد العالمي.
اعتقد ان
علينا ان ندرك ان ما يحدث الان في العراق هو جزء من صدام متزايد واسع بين
امريكا والعالم الاسلامي وهو صدام يمكن اذا ما اتسع وتكثف ان يكون مدمرا
لمكانة امريكا العالمية. ان امريكا التي تجد نفسها في حالة صدام مع الاسلام
ستجد صعوبة في ضمان امنها القومي وفي تعزيز موقعها القيادي في العالم.
وهذا يعني
انه علينا, بالاضافة الى التفكير بالشأن العراقي, واتخاذ القرارات الصعبة
بشأنه في ظروف افتراضية وغير مؤكدة, ان نلقي نظرة فاحصة على قضيتين اخريين
غير محسومتين تتبادلان التفاعل مع عواقب تورطنا في العراق.
اولا:هناك
سياستنا تجاه ايران. لماذا تكون مختلفة جدا عن سياستنا تجاه كوريا
الشمالية? ربما تقوم كوريا الشمالية بامور ابعد من تلك التي لا نريد لايران
القيام بها. ومع ذلك, فاننا ندخل في مفاوضات مباشرة متعددة الاطراف مع
الكوريين الشماليين تشارك فيها اطراف اخرى هي الصين واليابان وروسيا وكوريا
الجنوبية, لكننا نرفض فعل الشيء نفسه مع ايران, لماذا? لاننا نقول بان ذلك
سوف يضفي الشرعية على الحكومة الايرانية. فهل ترانا نخلع الشرعية على حكومة
كوريا الشمالية?.
هناك قضية في
الشأن الايراني, فما هي تلك القضية? انها سعي ايران الى الحصول على السلاح
النووي. تلك هي القضية وليست شرعية الحكومة الايرانية المنتخبة على مستوى
شعبي يفوق كثيرا مستوى التمثيل الشرعي لحكومة كوريا الشمالية. فهل نريد
لايران ان تتوقف عن سعيها النووي ام اننا نريد ان ندفعها الى التطرف? لا
يمكن ان يكون هدفنا المتعمد هو تغذية الاصولية الايرانية بالحماسة القومية.
لكن هذا هو ما نفعله الان بالضبط.
في الشؤون
الدولية, يكون تأخير حدوث امر غير مرغوب به اكثر فاعلية من التدخل المباشر
لمنع وقوعه. واعتقد ان الوقت يسير لصالحنا في قضية ايران. ولهذا ارى ان
الدخول في عملية تشجع على التفاهم وتؤثر باتجاه تأخير وقوع الامر غير
المرغوب به ستكون لها نتائج افضل من المضي قدما نحو مواجهة لا شك بانها
ستؤثر على الاستقرار في المنطقة.
ثانيا, نحتاج
الى تقديم دليل جدي على كوننا ملتزمين بسلام عادل ودائم بين الاسرائيليين
والفلسطينيين, وليس بحل مفروض من جانب واحد. ان حلا يبدو في نظر احد
الفريقين مفروضا لا بد له في النهاية ان يكون اقل شرعية.
ان حلا
مفروضا سيظل في نظر الطرف الاضعف, وهم الفلسطينيون, غير مشروع حتى ولو كان
ينطوي على عدالة تفوق ما انطوت عليه جميع المقترحات السابقة. وبهذا سوف
يتواصل النزاع ويتفاقم. والان وقد تراجعت احتمالات تقدم المسيرة السلمية
لاسباب معلومة, اعتقد ان من المهم جدا تحديد الامر الذي يمثل, من وجهة
نظرنا ونظر حلفائنا المقربين, الحل النهائي العادل وايضاح ذلك للطرفين.
وعلينا, على
الاقل, ان نحدد مبادئه الاساسية عن طريق تحليل التصريحات الفردية المختلفة
التي صدرت حول الموضوع على اعلى المستويات الامريكية ومنها مبادلة الاراضي
لتعديل حدود 1967 ووضع صيغ للاشتراك في مدينة القدس.
ان من شأن
هذا ان يمنح المصداقية للاعتقاد بان لدينا نوعا من الحل بعيد المدى يمكن
اعتباره شرعيا من قبل الفريقين. لاننا من دون ذلك سوف نساهم في قيام وضع في
الشرق الاوسط يعزز احتمالات الصدام الامريكي - الاسلامي على جبهات اوسع.
ويقودني هذا
الى الوصول الى النقطة الختامية التي تتعلق بكيفية تعريف علاقة امريكا
بالعالم اليوم.
في اطلاقه
لاستراتيجية الامن القومي الجديدة, استهل الرئيس بوش خطابه بالقول: »ان
امريكا في حرب. وهذه استراتيجية امن قومي لزمن الحرب«. دعوني اقول لكم: ان
للكلمات آثارها. ومن شأن الاستخدام الخاطئ والمقصود للكلمات ان يكون بالغ
الخطورة. ان ننفخ النار في تعريف مخيف للواقع يساهم, رغم كونه مضللا, في
ظهور امة يحركها الخوف, امة تعزل نفسها.
لقد جرب
الرئيس ذلك خلال الاسبوعين اللذين شهدا ازمة شركة موانئ دبي, عندما اضطر
شخصيا للاذعان للمخاوف الوطنية المفرطة.
ان التعريف
المزيف للواقع مسؤول جزئيا عن جو الاستقطاب الناشىء عن الخوف داخل امريكا.
لم يسبق للرئيس ترومان ولا للرئيس ايزنهاور ان تحدثا عن امريكا بصفتها
»دولة في حرب« اثناء الحرب الكورية.ولم يحدث ان تكلم الرئيس جونسون او
الرئيس نيكسون عن امريكا بصفتها »دولة في حرب« اثناء حرب فيتنام. نعم, نحن
نواجه تحديا جديا من تهديد ارهابي محتمل وعلينا ان نشن ضده كفاحا عنيدا.
لكن وصف امريكا المتكرر بانها دولة في حرب, بما يتضمنه ذلك من ضرورة وجود
قائد بصفات عسكرية, يساهم في تغذية رؤية امريكية للعالم تحفز الخوف وتعزلنا
عن الاخرين. لقد عانت دول اخرى من الارهاب اكثر مما عانته امريكا. لكن ايا
منها لم يتبنّ تعريفنا للواقع.
|