الولايات المتحدة ليست القدوة الحسنة

مع سعي إدارة بوش الحثيث لحشد الدعم الدبلوماسي بهدف كبح الجماح النووي لكل من كوريا الشمالية وإيران فإنها في الوقت نفسه تظل سادرة في معارضتها للتوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي التي تمثل خط الدفاع الأول لمجابهة مخاطر الانتشار النووي وخلال بضعة أيام سينعقد مؤتمر في نيويورك يهدف إلى تسهيل تطبيق بنود معاهدة حظر إجراء التجارب النووية لتشجيع كافة الدول على التوقيع على المعاهدة ومما يؤسف له أن الولايات المتحدة سوف تغيب عن حضور المؤتمر.

وحتى الآن هناك 123 دولة وقعت بالفعل على معاهدة حظر إجراء تجارب نووية غير أن عدد الدول الأعضاء التي تمتلك بالفعل قدرات نووية ومفاعلات أبحاث هو 44 دولة امتنعت منهم 11 دولة عن التوقيع من بينهم الولايات المتحدة.

ومن هذا المنطلق فقد اتخذت واشنطن لنفسها الطريق نفسه الذي سلكته بوينغ يانغ وطهران وهو موقف ينطوي على ازدواجية ومغالطة جسيمة بالنظر إلى موقف الولايات المتحدة التاريخي ودورها القيادي للوصول إلى تلك الاتفاقية الدولية.

فقد جاءت معاهدة حظر الانتشار النووي كمحصلة نهائية لجهود يعود تاريخها إلى عام 1963 تركزت على وضع نهاية لإجراء التجارب الخاصة بالأسلحة النووية وذلك عندما جرى وضع اتفاق قادت المفاوضات فيه إدارة كينيدي بهدف حظر إجراء تجارب على الأسلحة النووية في الغلاف الجوي للأرض وبعد ان وضعت الحرب الباردة أوزارها ظهرت جهود ومساعي حثيثة لوضع نهاية لكافة أنواع التفجيرات النووية.

وفي عام 1992 استهلت إدارة بوش الأب جهودا لتعليق الأنشطة النووية وطالب الكونغرس من الرئيس أن يواصل المساعي الرامية لإقرار حظر شامل على التجارب النووية ثم جاءت إدارة كلينتون والتزمت بالاتفاقات بيد انه ومع تغير الظروف السياسية فشل مجلس الشيوخ أن يجمع موافقته

وأخيرا جاء موقف الإدارة الحالية للرئيس بوش المعارض لاتفاقية حظر التجارب النووية وأصبح هذا هو الموقف الاميركي المعلن في الوقت الحاضر وتبررالإدارة موقفها بأن الولايات المتحدة يجب أن تظل محتفظة بحق إجراء التجارب حال إذا ما أخفقت معامل الأسلحة في ضمان فعالية وقوة الترسانة الحالية وهي الأخطاء التي قد تعزى إلى عيوب في التصنيع أو التصميم أو تقادم العمر والحجة الثانية التي يقول بها مستشارو بوش أنهم ليس لديهم ثقة تامة بأن العمل داخل المعامل وإجراء التجارب عن طريق المحاكاة بالحاسوب يمكن أن يضمن تعويضا عن إجراء تجارب فعلية.

وهناك أمر آخر وهو أن مخططي العسكرية الأميركية يسعون إلى استكشاف مزايا الأسلحة النووية الصغيرة التي يمكن استخدامها في تدمير المخابئ العميقة وهو الأمر الذي قد تثبت التجارب صحته .

والواقع أن مثل تلك الادعاءات لا تقوم لها قائمة أمام ما خلصت إليه الأكاديمية الوطنية للعلوم عام 2002 حيث أكدت على أنه وعلى الرغم من أهمية توقع حدوث أوجه قصور وخلل مع تقادم عمر الترسانة النووية فإنه ليس هناك ضرورة لإجراء تجارب بهدف اكتشاف تلك المشاكل وليس هناك احتمالات أن تكون هناك حاجة مستقبلية لمثل تلك التجارب.

وأمر آخر يجب نأخذه جيدا في الاعتبار وهو ان إنتاج أسلحة نووية صغيرة لن يخدم بحال زيادة فاعلية الامن الأميركي بل على العكس سوف يضعف الناحية الأمنية في ظل زيادة مماثلة من تخفيف القيود الدولية على الحظر لباقي الدول. ويمكن القول : إن ترسانة الأسلحة التقليدية يمكنها القيام بمهام تفجير المخابئ دون حتمية اللجوء الى إشعاع نووي لا مناص من حدوثه حتى وإن كان التفجير سيتم باستخدام أسلحة نووية صغيرة وإذا ما أردنا عقد مقارنة بين المخاطر المحتملة والفوائد المرجوة من اتفاقية حظر إجراء تجارب نووية نجد أنها بالفعل تحد الآن من قيام روسيا بتطوير أسلحتها النووية ولو أن الولايات المتحدة تعهدت بالالتزام ببنود الاتفاقية لتقلصت احتمالات بروز قوة نووية منافسة مثل الصين وبالمثل فإن موقف واشنطن عندئذ سوف يقوي على التزام الهند بعدم إجراء تجارب نووية وهو ما سينسحب على باكستان إلى حد كبير.

كما أن الالتزام الاميركي بالمعاهدة يمثل جانبا آخر على قدر كبير من الأهمية حيث إنه سيقوي الموقف السياسي والأخلاقي الاميركي في التصدي للانتشار النووي ويقدم الأساس الذي تبنى عليه مواقف المجتمع الدولي لمجابهة غير الملتزمين بالمعاهدة.

وفي النهاية فإن فشل الرئيس بوش في تبني معاهدة حظر إجراء التجارب النووية وضمها إلى أولوياته في الوقت الذي يواصل فيه دفعه لجهود تطوير أسلحة نووية جديدة سوف ينعكس بالسلب ويوقع ضررا فادحا بموقف واشنطن الذي سعت كثيرا في السابق إلى تبنيه والدعوة له

بينت رامبيرغ

مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية إبان إدارة جورج بوش الأب     خدمة انترناشونال هيرالد تريبيون خاص بالوطن