ويليام كونولي الصمت المطبق للمعارضة الشعبية في أميركا
الاحتجاج الذي تقوم به سيندي شيهان ـ الأم التي لقي ابنها حتفه في الحرب الدائرة في العراق - أمام مزرعة الرئيس بوش في كروفورد بولاية تكساس حيث يمضي بوش خمسة أسابيع عطلة تطرح تساؤلا صعبا وتمس جرحا غائرا ينزف كل يوم : لماذا لا تشهد الولايات المتحدة حركة احتجاج شعبية اليوم كتلك التي شهدتها عندما أوحلتها الإدارة الأميركية في مستنقع فيتنام ؟
ولماذا يلتزم كثير من الأميركيين حالة من الصمت المطبق إزاء ما أحدثته وما زالت تتسبب في حدوثه تلك الكارثة ، وبعد أن سقط آلاف العراقيين والاميركيين بين قتيل وجريح وتزايدت أخطار الإرهاب بالإضافة إلا أن شبح حرب أهلية لا يزال يطل برأسه في أعقاب تلك الحرب ؟
وأنا هنا لا أتحدث عن هؤلاء النفر الذين شمروا عن سواعدهم للدفاع عن غطرسة إدارة بوش وتماديها في الحرب ويغضون أبصارهم عن إزهاق أرواح الأبرياء ناهيك عن الأمن والأموال والقيم الأميركية ، بل أتحدث إلى أناس يعتقدون أن قرار الحرب كان خطأ جسيما سوف نظل ندفع ثمنه لأجيال قادمة .
وربما أمكننا أن نسوق عدة أسباب تقف وراء هذا الصمت أولها أن كثيرا من الأشخاص الذين يرون أن قرار الحرب قد جانبه الصواب تماما يعتقدون أيضا بأن الولايات المتحدة قد نزلت مستنقعا لا سبيل لها للخروج منه بسهولة . وهذا هو السبب الذي يدفعنا لكي نفكر مليا قبل اتخاذ أي قرار مشابه لغزو دولة اخرى .
بيد أن الولايات المتحدة بإمكانها ان تعترف بخطئها وتطلب الصفح والغفران من العالم وتمد يدها إلى الأمم المتحدة تطلب إرسال قوات حفظ السلام ثم تغدق بعض مئات المليارات من الدولارات لتوفير الإعتمادات اللازمة لجهود السلام والبناء،وربما يكون هناك بعض الخيارات الاخرى يمكن التفكير بها. إلا أن كثيرين يرفضون مجرد الوقوف لتأمل تلك الإحتمالات.
والسبب الثاني أن ملايين الاميركيين يجدون الأمر غاية في الصعوبة ان يعترفوا بأنهم قد شاركوا في اسطورة وهمية بالحق والقدرة الأميركية المطلقة التي يدير دفتها الرئيس بوش ومروجو الدعاية من المحافظين الجدد منذ وقت ما قبل الحرب. (ولنتذكر تلك الصورة التي سيطرت على عقول الكثيرين قبل الغزو بأن العراقيين سوف يهللون ويهتفون في الشوارع وأن عمليات إعادة البناء سوف تمول من عائدات النفط العراقي ) . والحقيقة ان هؤلاء قد عبروا فيما بعد عن مشاعر الفزع والهلع إزاء ما تكشفت عنه الأمور فيما بعد إلا أن تعبيرهم جاء من خلال استطلاعات الرأي ولم تترجم إلى معارضة شعبية
وهناك عامل خظير يغذي هذين السببين ، فقد أصبح الإعلام الإلكتروني اليوم يتيح المجال لسرد مبررات سرعان ما تتبدل وتتغير مع تباين الأحداث إلا أنه لا يوجد منتدى شعبي يترجم وجهة النظر العامة المغايرة لما هو معروض ، ومن يجترئ ويحاول أن يفعل ذلك يجدون أنفسهم في مواجهة حملة إدانة تصفهم بانهم غير وطنيين حتى قبل أن تتضح الأبعاد الكاملة لمجهوداتهم .
والسبب الأخير لحالة الصمت أن الطبقة المتوسطة والعليا داخل المجتمع الأميركي باتت لا تحمل هما بإحتمال مشاركة أبنائهم في الحرب ومن ثم فهم بمنأى عن تعرضهم للأخطار الرهيبة التي تنتظر من يذهب إلى ساحة الحرب .
هذه العوامل ربما تساعد في تفسير حالة الصمت بيد أنها وعلى ضوء الحجم الهائل للفاجعة فإنها لا تبررها . وجميعنا مطالب بعدم الصمت ، غير أن هؤلاء الذين أقحموا أنفسهم في الحرب بات يلزمهم تفسير المبررات التي حملتهم على ذلك . والحقيقة أن أهمية مثل هذه الوقفة تكمن في انعكاساتها المستقبلية والتفكير مليا ألف مرة قبل الإقدام على أي خطوة مشابهة في المستقبل.
والواجب علينا جميعا أن نعمل على كشف الاكاذيب التي أدت إلى الحرب والغطرسة التي منحتها صكوك الإذعان والقبول وما كلفته من أرواح وأموال وإخلال بالأمن سواء داخل الأراضي الأميركية أو في الشرق الأوسط ناهيك عن ذهابها بالسمعة الوطنية ونظرة الإحترام لدى الآخرين.
ومن الأجدى أن تجري الآن عملية إصلاح ومصالحة مع شعوب الدول الأخرى بعد أن تدنت نظرتهم لبلدنا فليس هناك من يجهل حجم القتل والدمار الذي تسببت فيه عمليات القصف والتفجير ، ولا تزال فضائح أبوغريب وغوانتانامو حاضرة في الأذهان . والشئ الآخر الهام هو ضرورة فتح قنوات للحوار الوطني مع المسلمين الأميركيين الذين يمقتون إرهاب الدولة المتمثل في أفعال إدارة الرئيس بوش بالقدر الذي يبغضون فيه إرهاب القاعدة .
ويليام كونولي
أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكينز
خدمة واشنطن بوست ولوس انجلوس تايمز