الإنتخابات ومأزق الوعي السياسي في العراق
صدمة اليسار .. وثقافة المجتمع المدني الشاحبة
د. بُرهان شاوي
ليس جديدا أن نقول بأن نسبة الأصوات التي حصلت عليها القوى اليسارية والديموقراطية العلمانية والقومية المعتدلة ومنظمات المجتمع المدني كانت مفاجأة مدهشة خلخلت الكثير من القناعات الراسخة لدى البعض فيما يخص فهمهم لطبيعة المجتمع العراقي والتحولات التي طرأت علية خلال أكثر من ثلاثة عقود من حكم البعث، وكذلك التحولات المتطرفة الأخرى التي طرأت عليه خلال السنتين الأخيرتين منذ سقوط الصنم الأكبر في نيسان 2003.
الإنتخابات كشفت بما لا يقبل الشك بأن المجتمع العراقي لم يتشرب بعد بثقافة المجتمع المدني وحقوق الإنسان ودولة المؤسسات المدنية. وربما أعتقد البعض بأن هذا الأمر طبيعي في ظل مجتمع إنقطع عن الحضارة لأكثر من عقدين من الزمان، بل وحاصرته الثقافة العنصرية والقومية المتطرفة من كل جانب ليل نهار.
البعض الآخر يعتقد بأن هذا الكم الهائل من القوائم والأحزاب والمنظمات التي ساهمت في الإنتخابات تؤكد عكس ذلك، بمعنى ان المجتمع العراقي لو لم يؤمن بحقوق الإنسان والمجتمع المدني لما كان هذا الكم من الأحزاب والقوائم المتنافسة على السلطة من خلال الإنتخابات.
لكن مرة أخرى نؤكد بأن العبرة ليست في الإنتخابات وإنما في نتائج هذه الإنتخابات. فالإنتخابات مثلا هي التي حملت هتلر الى السلطة، فهتلر لم يستلم السلطة عبر إنقلاب عسكري وإنما عن طريق الإنتخابات وصناديق الإقتراع، ومعاذ الله أن اساوي في هذا المقام بين قوى شعبنا العراقي التي خاضت الإنتخابات وبين هتلر، وإنما اردت مثلا يضرب ولا يقاس!
هذه الهزة العنيفة التي عاشها اليسار العراقي، الشيوعي بالتحديد، والقوى الديموقراطية والقومية المعتدلة ومنظمات المجتمع المدني، كشفت عن مأزق مزدوج يعيشه المجتمع العراقي من جهة وهذه القوى والأحزاب والمنظمات من جهة أخرى.
تمزق اليسار العراقي ومتاهاته المعتمة
لو كانت كل عائلة من عوائل شهداء الحزب الشيوعي فقط، وليس أعضاء الحزب وأصدقاءه وشبيبته وواجهاته من المنظمات المهنية، مثلا، قد منحت أصواتها لقائمة (إتحاد الشعب) لكان الحزب الشيوعي قد حصل على أكثر من هذا العدد بأضعاف مضاعفة، فقد قدم هذا الحزب عشرات الألوف من الضحايا والشهداء، فما الذي جرى!!
هناك الكثيرون الذين شمتوا بالحزب الشيوعي، وفرحوا لإنتكاسته الإنتخابية، فكتبوا بروح التشفي والإنتقام، وهناك من وجه النقد الجريء للحزب الشيوعي، بعضهم حلل بدقة أسباب هذه الأزمة وبعضهم حملها محملا شخصيا، واعتقد ان الحزب نفسه كان مندهشا من النتائج التي حصل عليها قبل غيره من القوى والأفراد!
وجهة نظري في هذه القضية، هي ان الإنتخابات التي جرت، كما نوهت في الحلقة الأولى من هذا المقال، كانت إنتخابات لتأكيد الهويات القومية والطائفية، اكثر مما كانت إنتخابات سياسية لإدارة الدولة الجديدة. ومن هنا فأن أكثر الكادحين العراقيين صوتوا لهويتهم الطائفية ولم يخضعوا الأمر لوعيهم السياسي، بل وإذا ما أخضعوا الأمر لوعيهم السياسي، لتوصلوا الى نتيجة مفادها انهم لا يعرفون معظم الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، بأستثناء الحزب الشيوعي، لكنهم يعرفون أيضا أن الحزب كان في جبهة مع البعثيين، بل وان منظماته وقواعده خرجت مع البعثيين الى الشارع في منتصف السبعينات عندما تحركت القوى الدينية وحزب الدعوة بالتحديد في مناطق النجف وكربلاء...!
وإذا ما كان الحزب الشيوعي العراقي قد قوم تجربته مع البعثيين وإنتقد نفسه في مؤتمراته الداخلية، فأن الجماهير لم تعرف هذا الأمر، بل كان على الحزب أن يمتلك الشجاعة لنقد نفسه ذاتيا أمام الجماهير التي كان في قطيعة معها نتيجة لهول الإرهاب الذي كان مسلطا على الحزب ومنتسبيه ونشاطاته خلال فترة البعث الفاشي. وأعتقد ان هذه قضية ليست عابرة وجانبية.
بل أن ما زاد الطين بلة هو موقف الحزب الشيوعي الغامض والملتبس من البعث، ومسألة إجتثاثه من تربة المجتمع العراقي السياسية والثقافية، فقد ظهر سكرتير الحزب على شاشات الفضائيات ليعبر عن رفضه لكلمة إجتثاث، مثلما كان تركيزه لأكثر من مرة على مسألة المصالحة، وكانت معظم هذه الطروحات تعني لدى الجماهير المصالحة مع فلول البعث الفاشي المنهار.
ناهيك عن ان الحزب لم يتوجه لتوحيد قوى اليسار العراقي من منظمات شيوعية وماركسية مختلفة ولم يسع لفتح الحوار معها من اجل التقارب، بل تعامل معها بكبرياء وأنفة، بإعتباره الأكبروالأكثر عراقة واصالة، بل ودخل بعض قيادييه في صراعات إعلامية ضد بعض هذه التنظيمات!!
كما انه لم يتوجه إلى عشرات بل مئات الألوف من أصدقائه وأعضائه الذين تركوه لأسباب مختلفة، وكأنه كان يعتقد بأنهم سيصوتون له شاءوا أم ابوا..، فمعظم الذين خرجوا منه وعنه كانوا على يساره، وكان يعتقد بأن معظم هؤلاء سوف لن يصوتوا إلى اية قائمة أخرى دينية أو قومية أو شبه بعثية!!
لكن ما جرى ان النسبة الغالبة من هؤلاء اليساريين اللاحزبيين توزعوا بين منظمات المجتمع المدني او شكلوا احزابا متواضعة العدة والعدد، أو صمتوا، بل وربما صوتوا لبقية القوائم الفائزة.
الى جانب وجود قضية أخرى قد تكون سببا أيضا في الوصول الى هذه النتيجة، الا وهي أسم الحزب وطبيعته الطبيقة وبرنامجه السياسي!!
فقد طرحت قضية تغيير أسم الحزب بعد سقوط الإتحاد السوفيتي، ودارت نقاشات حول هذا الأمر، لكن يبدو ان الجناح المتعصب للشيوعية وللتراث الكلاسيكي للحزب كان صاحب القوة فبقي الحزب على اسمه القديم، علما ان العبرة ليست في الأسم وانما في البرنامج السياسي..فقد كان حزب لينين قبل الثورة لا يحمل أسم الحزب الشيوعي وانما تقرر هذا الأمر في الأممية الثالثة، بعد إستلام الحزب للسلطة.
لقد طرحت إقتراحات من البعض بتغيير أسم الحزب الى ( إتحاد الشعب) لكن يبدو ان هذا الأمر غير مطروح للنقاش حاليا.. علما ان الحزب خاض الإنتخابات الى جانب قوائم تستمد قوتها من الايديولوجية الدينية المعروفة بعدائها للشيوعية وترويجها لمسألة ان الشيوعية كفر وإلحاد. كانت الدعاية السياسية الدينية المزدوجة تنشر فتوى دينية حول المشاركة في الإنتخابات وعلاقة الأمر بالجنة والنار، او الفتوى بتحريم المشاركة في الإنتخابات..!
إن طبيعة الأحزاب الشيوعية في بلدان العالم النامي هي طبيعة وطنية ديموقراطية، اقرب الى الأشتركية الديموقراطية مما هي من طروحات الأحزاب الشيوعية في المجتمعات الصناعية، بل وحتى في المجتمعات الصناعية كانت الأحزاب الشيوعية أكثر ديناميكية في رصد التحولات والمتغيرات التاريخية، فانعكست هذه المتغيرات على بنية برامجها فبادرت الى تغيير اسمها وهويتها السياسية المتطرفة، فصارت أكثر إعتدالا في قضية طبيعة السلطة ومسألة تبادلها وقضايا أخرى.
برنامج الحزب الشيوعي العراقي اليوم هو برنامج وطني، ديموقراطي، إشتراكي، يقترب من الطروحات الليبرالية لفكرة المجتمع المدني، وبتوصيف سياسي آخر هو اقرب الى برنامج الأحزاب الأشتركية الديموقراطية، رغم كبرياء الحزب التاريخي والسياسي ورفضه لمثل هذا التوصيف، فنحن نعرف أن مؤسس الحزب الشهيد الخالد فهد لديه كراس ثقف الحزب به أسمه ( حزب شيوعي لا إشتراكية ديموقراطية) .
وربما من الممكن أن تكون قوة الحزب الشيوعي قد عطلت ظهور حركة إشتراكية ديموقراطية حقيقية، إذ إن العراقيين من ذوي التوجهات الأشتراكية الديموقراطية وجدوا أنفسهم دون وعي منهم في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، ولولا هيمنة الحزب على الحركة اليسارية في العراق لعرف العراق مخاضات إشتراكية عديدة، وما الإنشقاقات التي تعرض لها الحزب الشيوعي إلا مؤشرات لهذه الظاهرة، رغم ان الماكنة الدعائية السياسية للحزب منحت هذه الظلواهر مسميات مختلفة كالانتهازية والتطرف اليساري، والنزعة البرجوازية الصغيرة وغير ذلك .
درس الإنتخابات كان واضحا، فاليسار العراقي، ,وفي مقدمته الحزب الشيوعي، واجه مأزقا إنتخابيا، لكنه مأزق عضوي يمس هيكل الحزب وبرنامجه ورضاه عن نفسه وطبيعة دعايته السياسية ومدى قربه من نبض الشارع السياسي، وكذلك يمس وعيه للاوعي الإنسان العراقي وجماهير الشعب البسيطة والكادحة، ولفهمه لطبيعة المتغيرات في مجتمع تنفس هواءا فاسدا لسنوات طويلة، مثلما يمس شجاعة هذا الحزب في أن يجري تحولات جذرية في هيكليته السياسية.
وربما لو تحلى الحزب بالتواضع الجليل في نقد ذاته، ومراجعة مجمل تاريخ وواقع حركة اليسار في المجتمع العراقي. فان بامكانه أن يُعيد ترتيب المعادلة السياسية في المجتمع العراقي في الإنتخابات القادمة.
مجتمع مدني أم مجتمع عشائري وطائفي!!
درس الإنتخابات كان قاسيا للقوى الديموقراطية والعلمانية ومنظمات المجتمع المدني، واعتقد أن اهم مؤشر يمكن رصده من خلال نتائج الإنتخابات هو ان الديموقراطية ليس لديها الكثير من الأصدقاء في العراق الجديد، رغم الزعيق الإعلامي الصاعق الذي يصم الآذان في مواقع الأنترنيت وفي بعض الفضائيات . فالملاحظ أن الإنتخابات وتبادل السلطة الحالي هي نتيجة ضعف الجميع من جهة، ولوجود الإحتلال، فلو كان هناك حزب يستطيع لوحده قيادة العراق لما تردد في إحتكار السلطة. وأوضح دليل على ذلك هو الفساد الإداري المرعب، وتلك الوزارات المغلقة على الأحزاب والطوائف، دونما أية معايير للكفاءة والنزاهة، وحق المواطنة. بل وفي الإتفاقات السياسية المعلنة في المؤتمرات وفي البرامج الإنتخابية والتخلي السريع عنها في أول منعطف سلطوي.
حزب عريق كالحزب الوطني ، وحركة ديموقراطية نخبوية كحركة المستقلين، وحركة علمانية مدنية كالحركة الملكية الدستورية، ومنظمات المجتمع المدني، والأحزاب القومية الإشتركية، جميعها لم تستطع أن تحصل على أي مقعد في البرلمان، بينما عشيرة واحدة حصلت على خمسة مقاعد!!
أليست هذه أكبر شهادة على مأزق الوعي السياسي في المجتمع العراقي!! أليس هذا دليل بياني على المستوى المتدني للوعي الديموقراطي ولعجز ثقافة المجتمع المدني من أن تكون فنارا يمكن الأتمان إليه والتحرك على سناه، ولو من بعيد!!
أين تمكن المشكلة؟ في الناس والجماهير؟؟ لا اعتقد ذلك، فأن الناس متعطشون للحرية والسلام والأمن والحياة الكريمة. ومرة أخرى نعود لنقول ان هذه الإنتخابات كانت هي الجولة الأولى، وأن الناس الذين صوتوا للطائفة قد يصوتون لغيرها بعد أشهر إذا لم تتحق ولو بعض مطاليبهم في الأمن والحياة.. لكن هذا الأمر لا يعتمد على أخطاء وعجز القوى الدينية الطائفية في إنجاز وعودها فحسب ، وانما أيضا على توجهات هذه القوى الديموقراطية لمنظمات المجتمع المدني التي لم تستطع أن تصل الى الشارع العراقي، ودعايتها السياسية المقبلة، وليس الإقتناع بكرسي في البرلمان ييتصدق عليهم به الكتل الكبيرة في البرلمان.
المجتمع العراقي يحتاج الى ثورة ثقافية جذرية، ثورة تؤسس لمفاهيم المجتمع المدني الأصيلة، ولثقافة حقوق الإنسان، ولنشر مفاهيم حق الشعوب في تقرير مصيرها، فليس كافيا أن يكون السياسي العراقي المعاصر مناضلا ضد الديكتاتورية وضد سلطة البعث الفاشية، وانما أن يكون إنسانا مؤمنا بشكل حقيقي وليس لفظي بقضية حقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. فالسجون، والمنافي، بل وحتى النضال المسلح في الأهوار أو الجبال، لا يمنح السياسي العراقي صك الغفران، فلقد وجدنا أن بين هؤلاء الكثيرين ممن لا زالوا تحت تأثير الثقافة البعثية الصدامية، ولا زالوا عند نفس مفاهيمهم القومية والطائفية القديمة التي لا تتطابق مع أبسط مفاهيم حقوق الإنسان، بل ان هؤلاء المناضلين ما ان يفتحوا أفواههم حتى لا تصدق أذنيك او عينيك وأنت تقرأ تصريحاتهم التي تذكرك بتصريحات صدام حسين وكل الحثالات التاريخية الأخرى.