االثقافة السياسية والإنحطاط الجمالي

 

بُرهان شاوي

 

التجربة السياسية والتاريخية للشعوب تؤكد بأن انتشار الثقافة السياسية في بلد ما لا يعني بالضرورة

ارتقاءً فكريا أو تطورا في الذائقة الجمالية لشعب ذلك البلد، بل ربما العكس هو الصحيح، ففي الأنظمة الشمولية يمكن للدعاية السياسية الهائلة التي تقوم بها وسائل الإتصال الجماهيري ومؤسسات الإعلام  أن تقود الجماهير لاإراديا تحت شعارات ويافطات ورؤى الطبقات الحاكمة وأحزابها ، فترى في ظل الأنظمة الآيديولوجية مظاهر الحمى السياسية والتعصب الفكري والجمود العقائدي، مثلما تجد في بعض الأنظمة الليبرالية الديموقراطية شللا سياسيا شبه كامل عند الجماهير، وإهتماما مبالغا فيه بقضايا هامشية في المجتمع والحياة، وتشكيلاً مربكاً ومشوهاً للذائقة الجمالية المبني على أساس تذوق المبتذل والمستنسخ من الفنون أو ما يسمى ب( الكيتش).

 

المتأمل للحراك السياسي في المجتمع العراقي، لاسيما بعد سقوط النظام البعثي الفاشي، يصطدم بهذه الحقيقة ذاتها، فمنذ حوالي السنتين وأنا أتابع بشكل مستمر، بحكم تخصصي الأكاديمي، آلية  وإيقاع وتطور الإعلام العراقي ، ومواقعه الألكترونية، راصدا بعض مظاهره وتوجهاته، لاسيما تلك المواقع التي تفسح مجالا لرصد ما يسمى في علم الاتصال بالتأثير، أي رصد ردود الأفعال والتعليقات على ما ينشر لديها من مواد ومقالات ونصوص إعلامية.

 

سأتوقف عند حالتين من بين مجموعة من الظواهر التي أثارتني : حالة الشاعر سعدي يوسف وحالة الكاتب الأديب علاء اللامي.

 

فكلنا يسمع وربما يقرأ ما يكتبه الشاعر سعدي يوسف من مقالات هجائية نارية ضد السلطة العراقية سواء التي كانت ممثلة في مجلس الحكم أو في الحكومة التي عينها الأميركان فيما بعد. كما سمعنا اوقرأنا بعض الكتابات التي أنتقدت سعدي يوسف وتلك التي دافعت عنه،  ولا يعنيني هنا أن أتناول

هذه الكتابات بالنقد والتحليل، فهذا شأن سياسي، ليس مبحثي هنا، وانما ما يهمني هو ردود الأفعال على نصوصه الشعرية.

شخصيا، أعتقد أن سعدي يوسف في بعض نصوصه الأخيرة التي كتبها خلال هذين العامين قد قدم تجربة جديدة لاسيما على مستوى شعره. فبعد أن يكون سعدي قد أفرغ ما في ذهنه وروحه من انفعالات سياسية، يتفرغ للقصيدة بروح الشاعر متوجها لنبع الشعر لينهل منه وليكتب شعرا صافيا.

 

لكني وجدت للأسف، بأن متصفحي الأنترنيت يتعاملون مع نصوصه الشعرية مثلما يتعاملون مع مقالاته السياسية التي لا يتفقون معها. فيؤشرون بالضد من القصيدة ومستواها وكأنهم بذلك يقذفون حجرا على الشيطان  كما يفعل الناس عند الحجيج.

إن هؤلاء االقراء من متصفحي شعر سعدي يوسف على الانترنيت إما أنهم لا يحتكمون إلى وعيهم السياسي وإنما إلى انفعالهم السياسي، أو أنهم يحتكمون لذائقة شعرية متخلفة ورديئة، أو أن جمودهم العقائدي هو الذي يحدد ذائقتهم الجمالية، علما أن (لينين) بكل عبقريته السياسية النادرة كان يكن إحتراما عظيما لتولستوي رغم إختلافه معه، فقد كتب عنه العديد من المقالات التي كانت تحمل عنوان ( ليف تولستوي... مرآة الثورة الروسية )، كما أن الإمام (الخميني) كان يتذوق شعر المتصوفة وغزلهم وخمرياتهم الآلهية، بل إنه كتب شعرا في هذا المجال، فلم يلعنهم ولم يصدر فتوى ضدهم.

 

كذا الأمر أيضا مع الكاتب والأديب علاء اللامي، فقد كنت أتابع ردود الأفعال على مقالاته السياسية حول الوضع في العراق، وكنت أتابع  أيضا مقالاته النحوية الرائعة في تبسيط النحو والإملاء العربيين، وكانت المفاجأة أيضا حينما وجدت أن تقويم زوار الأنترنيت لمقالاته النحوية تكاد تكون مثل تقويمهم لمقالاته السياسية، وكأنهم يعترضون بذلك على قواعد اللغة العربية نفسها، ولا يتفقون معها ومع قواعد الإملاء، وبتصوري لو أن هؤلاء كانوا يعيشون في زمن سيبويه وخمارويه لمزقوا وحرقوا نسخ

كتبهم لأنهم من الفرس.

 

( يمكن الإشارة هنا إلى ما قام به النظام العراقي من تغيير لاسم شارع أبي نؤاس إلى الشارع العباسي وكذلك إخراج كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني من المكتبات العامة )

 

 أفهم أن يختلف المرء مع سعدي وعلاء اللامي سياسيا، لكن أن يختلف المرء مع شعر سعدي وقواعد اللغة العربية التي يقدمها كاتب أديب أخذته العزة على لغته لما وجده من إبتذال لها في أسواق الأنترنيت، فأن ذلك يدل على أزمة جمالية أكثر مما هي أزمة في الوعي السياسي، إذا لم أقل بأنهما مترادفتان. 

لست هنا بصدد الدفاع عن سعدي يوسف أو علاء اللامي ، فأنا قد اختلف مع ما جاء في مقالاتهما السياسية، لكن ذلك لم يمنعني من التمتع بعذوبة شعر سعدي الجديد، ولا الاستمتاع والإستفادة من مقالات علاء اللامي النحوية، إلا أن ما دفعني لهذه الوقف هي قصيدة سعدي يوسف الأخيرة

والمنشورة تحت عنوان ( كلام فارغ )، والتي سأوردها هنا، من حيث أن القصيدة تقرع ناقوس الحذر والخطر الذي يحيط بمبدع مثل سعدي يوسف، ولكم أن تنفذوا الى ما وراء القصيدة كي تتعرفوا على محنة الثقافة في المجتمع العراقي.

 

                                                          كــلام فــارغ

    لكمُ البلادُ ،
ولـي الـبَــلادَةُ …
إنني لا أفهَــمُ الـ
Politics
سوف تقولُ لي :
إنْ كنتَ حقّــاً هكذا ، فاخْـرَسْ ‍‍!
لماذا تخلطُ الأوراقَ ؟
دَعْــنا ننتفعْ من غفلةِ التاريخِ …
دَعْــنا نَستفِــدْ من أهلِ روما ، مالَ روما ؛
حِـقْــبةٌ ، وتَــمُــرُّ …
يا مُـتَنَسِّــكاً بين " القرى المتهيِّــباتِ خطاكَ ، والـمُدُنِ الغريبةِ " :
نحنُ ، نحنُ ، رفاقُكَ -
انتبِــهِ !
الرصاصةُ سوفَ سوفَ تكونُ وارِدَةً …
………………….
…………………
…………………
إذاً ، فَـلأعترِفْ :
لكمُ البلادُ
ولي الـبَــلادةُ …
إنني لا أفهمُ الـ
Politics

لندن 27/1/2005