الأدب العراقي المعاصر ومشروع الدولة الدينية

 سلام إبراهيم

في ندوة لوكيل وزير الداخلية العراقي "عدنان الأسدي" في كوبنهاجن قال ضمن رده على الجمهور الذي واجهه والمختلف عن جمهور أماسيه في حسنيات كوبنهاجن، بعد أن حاوروه عن أفق مستقبل العراق في ظل الأحزاب الدينية التي تحمل منحى طائفي كأحزاب الشيعة والسنة رد وهو يتصور أن غالبية الحضور من الشيوعيين قائلا بنبرة خافتة: أليس من حقنا أن نحلم بدولة أسلامية مثلما يحلم الشيوعون بدولة شيوعية. والأسدي هو من حزب الدعوة الإسلامية لا يعلم أن الحضور غالبيته من المثقفين المستقلين المؤمنين ببناء عراق ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان والأقليات يسود فيه القانون فوق أي أعتبار. هذا الأعلان الخافت من الحزب الأكثر إعتدالاً بين الأحزاب الدينية الشيعية نجده أكثر صخباً لدى التيار الصدري الذي مارس القمع وهو لم يزل يحبو بجيش المهدي الذي كسر محلات التسجيلات وجلد الناس في الشوارع بسبب الخمرة فكيف بالخلاف الفكري أو الحوار إذن. في الطرف المقابل يقوم البعث الديني بحملة مشابه في مناطق الشمال العربي العراقي وبغداد، اغتيالات وتفجيرات وممارسة الخطف والتعذيب والقتل الذي كان زمن صدام يمارس في السجون والظلمات.

مشروع الدولة الدينية خطر قائم وأمنية لدى كل هذه القوى التي تحلم بالمدينة الفاضلة على الأرض كما حلم بها الرسول محمد (ص) وحاول تطبيقها الإمام علي (ع) فقتل وهو يصلي فجراً بجامع الكوفة. هذه القوى لا تعتقد بحركة التاريخ وتطور الحضارت في حركتها الحلزونية منذ فجر التاريخ ومروراً بالحضارات القديمة في بلاد الرافدين ومصر ثم الحضارة المسيحية فالإسلامية وصولاً إلى عصر النهضة المتواصل إلى هذه اللحظة الذي حول العالم إلى قرية.

مشروع الدولة الدينية هو مشروع أيدلوجي يحول المجتمع إلى لون واحد وطيف واحد ويمنع أي فكر يتعارض مع منهج تلك الدولة وبذا يلتقي في هذه الخصلة مع كل مشاريع الحزب الواحد كونه الحزب الذي وحده يملك ناصية الحقيقة إلى الأبد، وما تجارب الأحزاب الشيوعية في أوربا الشرقية والبعث والناصرية في الوطن العربي إلا نماذج خربت تلك المجتمعات وسقطت. وما يعاني منه العراق الآن هو خراب خلفته الدولة الأيدلوجية وبدلا من الخلاص إلى الأبد من هذه النبرة نجد القوى الدينية تحلم وتخطط سراً لتشيد دولة أيدلوجية أخرى لتعيد دورة العنف وتبقى العراقي إلى الأبد لا حول له ولا قوة يقمع هذه المرة بمبرر الدين بدلا من القومية مثلما كان زمن صدام.

مشروع الدولة الدينية يتناقض كلياً مع الأدب العراقي المعاصر، فالأبداع مشروع بحث واستكشاف في النفس والمجتمع، وهذا البحث يقود بالضرورة إلى الحديث عن مأزق الإنسان الروحي والجسدي في ظل القيم والأعراف والسلطات القامعة وهذا يقود بالتالي إلى الخوض في مواضيع محرمة كالسياسة والدين والجنس. فأذا كان النظام السابق يغض النظر عن تناول موضوعة الجنس فأن مشروع الدولة الدينية سوف يضع هذا التابو في المحضورات فيستحيل النص الأدبي إلى مجرد نص سطحي محضور عليه الغور في عذابات العراقي المبتلي بقيم مجتمع صارمة عنيفة يبدأ العنف فيه من العائلة حيث قضية ضرب الأبناء  داخل العائلة من فلكلورنا الشائع ، ثم المعلم في المدرسة، والشرطي في الشارع، فشاع العنف بشكل بشع، وأصبح السائر في الشارع يرى المشدات  بالأيادي والحجر والعصى من شائع المشاهد العراقية. يستتبع ذلك الفصل القسري بين النساء والرجل فأدى ذلك إلى قيامة عالم سري يضج بالعادات السرية والشذوذ. هل يعرف هؤلاء أن البيئة العراقية من أكثر البيئات التي تتفشى فيها اغتصاب الألاود، واللواط وكل ذلك يجري بالسر ويحاط بالصمت، حتى لانجد إلا نادرا جدا أن يشكي أحد من ذلك لأن الفضيحة وسط تلك القيم الصارمة نتائجها أفدح من أخذ الحق للمغتصب أو المعتدى عليه. كل هذا لم يكتب عنه في الأدب العراقي خوفا من المجتمع والسلطة وسوء السمعة. وكل هذه المواضيع ستصبح طي النسيان لو سادت القوى الدينية ونفذت مشروعها بخلق دولة دينية، مما يزيد من تكالب تلك الأمراض سراً.

لو نظرنا نظرة سريعة التي تاريخ الأدب العراقي المعاصر سنجد أن الغالبية العظمى من المبدعين العراقيين شعراء أو كتاب قصة أو روائيين هم من تمكن من الخروج من أسر النظرة الدينية المغلقة للحياة بأعتبارها دار فناء وراح يبحث في أشكالية وجود الإنسان والتباس رحلة العمر الخاطفة، ومن أشهر المبدعين الخارجين من تلك البيئة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري الذي تحول حال تخلصة من أسر القناعات الثابتة إلى كتابة أشعار تخوض في عذاب الإنسان وتتغنى في حبه. ولو بقى مسجونا في مجال تلك الرؤية المغلقة لظل يلوك بقصائد المراثي التي تكرر نفسها وتمجد حادثة مفردة واحدةً دونها كل الحواديث.

الدائرة المغلقة للرؤية الدينية محكومة بنوع من التراتب الصارم الذي يرجع الفضل إلى السلف في كل الأوقات. وما علينا سوى الحذو حذو السابقين الذين وضعوا لنا كل القواعد التي ينبغى القياس عليها كي ننجو من الضلالة والبدع وعذاب النار.هذا قاد إلى سجن من يكتب من هذا التيار في مواضيع محددة الأبعاد واضحة الأغراض تعتمد على كون الإنسان خطاء ولا خلاص له إلا بأتباع السلف الصالح فدارت مثل هذه الكتابات على السطح البشري ولم تهبط إلى الأسرار ومنطقة الأحلام والمخيلة المتكونة في بيئة صارمة.

الأدب المكتوب في مثل هذه البيئة محدود جداً فمثلا وصلتني مقالة من كاتبٍ ديني يريد ان يقنع العراقي بصواب جعل " يوم أستشهاد الحكيم" هو يوم الشهيد العراقي متناساً آلاف الشهداء الذين سقطوا في مواجهة الديكتاتورية من الأكراد والشيوعيين وباقي الفئات والقوى. لو قال يوم الشهيد الشيعي ففي ذلك وجهة نظر كما يقيم الشيوعيين كل 14 شباط يوم الشهيد الشيوعي، لكنه يدافع عن قرار البرلمان بأعتبار يوم استشهاد الحكيم هو يوم الشهيد العراقي فتخيلوا.

هذا أول الغيث. سيتبع ذلك وكلما تركزت السلطة بيد هذه القوى مصادرة الرأي الآخر وسيقع الوزر الأكبر على الكتاب والأدباء أقصد المبدعين منهم، وبدلا من أنفتاح المجال أمامهم كي يكتبوا بحرية سيجدون أنفسهم مقصيين من قبل أنصاف كتاب وشعراء شعبيين نراهم يوميا يطلون علينا من التلفزة وهم يثيرون حمية الطوائف مثلما كان يظهرون ليثيروا حمية الجنود المساكين على الجبهات ويمجدون بالدكتاتور صدام.

خطورة هذا المشروع مزدوجة فمن ناحية سوف لا تحل أي مأزق إجتماعي كفكرة تحقيق المساوة وتوزيع الثروات كما هو الحال في إيران فلا زالت المخدرات شائعة وأحزمة الفقر تحيط بمدنها الكبرى وإفغانستان وقت حكم طلبان لأن مثل هذه الأهداف لا تتحقق إلا في ظل مجتمع القانون والحرية بغض النظر عن الدين والقومية، ومن ناحية ثانية سوف تشيع ثقافة مغلقة تقتل الموهوبين من كتاب وشعراء من الأجيال القادمة كما الحال في الدول الدينية.

مشروع الدولة الدينية أكثر خطورة على الإبداع ولا يختلف في جوهره عن مشروع الدولة الدكتاتورية.

مرة أتصلت بالصديق الروائي المبدع "جنان جاسم حلاوي" أسأله عن أحواله وما يفعل في ذلك اليوم فوجدته يائساً غاضباً إذ سمع في ذلك اليوم عن هجوم المليشيات الدينية على بارات البصرة وبيوت صاحبيها وقتلهم. أخبرني وقال:

ـ سلام ما تكلي أحنه إلمن نكتب؟!.

الكاتب المبدع لما يكتب يحس بأنه يكتب لأبناء شعبه والكتابة مشروع حياة وليست نزوة.

أدعو الكتاب المبدعين إلى قول رأيهم بصراحة للوقوف بوجه هذا المشروع حتى لا يموت الإبداع في مستقبل العراق، إلى أن يفهم الجميع أن الأحزاب في الدول الحضارية ما هي إلا خادمة للمجتمع ببرامجها لا مسيسة لفكر واحد لا مجال فيه للرأي الآخر.أقول ذلك والنائب الشيعي "علي الدباغ" في ندوة تلفزيونية يقول عن شرب الخمرة، لا هذا لا نسمح به أبدا وسنحاول تشريع قانون حوله، لو رآه الجواهري لسخر من هذا الفكر ومشروع قانون يبخس أبسط الحقوق البشرية.

كل هذا والقوى لم تأخذ نفساً في السلطة فكيف بها إذا ترسخت.