يعرف المغرب منذ تسعينيات القرن 20
تصاعدا للتيارات الدينية المتشبعة بثقافة عصور الانحطاط وقيم البداوة المتسمة
بالانغلاق والجمود ومعاداة الآخر . وجاءت هذه التيارات لمناهضة ميولات التحديث
والتصدي لمطالبها ، متخذة من الدين عتادها اللوجستيكي بعد أن بدْوَنتْه .
والمقصود بالبدونة إقحام قيم وعادات وأعراف الأرياف / البوادي ضمن تعاليم الدين
الإسلامي ووضع تشريعات فقهية توافق وتخدم تلك الأعراف والقيم . وهذا يضفي على هذه
القيم والأعراف طابع القداسة بأن يحشرها ضمن الدين ، ويجعلها دينا من الدين ، إن
لم تكن هي جوهره . ويمكن رصد مظاهر البدونة كالتالي :
ـ على المستوى الفكري : تعمل هذه الاتجاهات على :
أ ـ نبذ الحوار وقيم التسامح بحيث تجعل من فهمها للدين الفهم المطلق لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه . مما يترتب عنه إلغاء حق الاختلاف والاجتهاد ،
ومن ثم سيادة الخطاب الواحد . علما أن مثل هذه المواقف تتعارض مع جوهر الدين وسنة
الله في خلقه . ذلك أن الله تعالى ، رغم ما صدر عن إبليس من عصيان لأوامر الله ،
أخبرنا عن مضمون الحوار الذي دار بين الله عز وجل وبين إبليس ( قال ما منعك ألا
تسجد إذ أمرتك ، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين . قال فاهبط منها
فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين . قال أنظرني إلى يوم يبعثون .
قال إنك من المنظرين . قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم )الأعراف 12 ـ
16 . وكذلك أطلعنا القرآن الكريم على تفاصيل النقاش الذي كان بين الأنبياء والرسل
وبين الكفار . ومن ثم كان الحوار قيمة جوهرية يتأسس عليها الدين الإسلامي ( ألم
تر إلى الذي حاج إبراهيمَ في ربه أن آتاه الله المُلْك إذ قال إبراهيم ربي الذي
يحيي ويميت ، قال أنا أحيي وأميت ، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق
فأتِ بها من المغرب ) البقرة : 258 .
ب ـ انتشار التعصب والدوغمائية : وهما نتيجة حتمية لضيق الأفق الفكري والركون إلى
الفكر الواحد لمواراة العجز عن استيعاب مضامين الدين ومقاصده التي تنهى عن
الإكراه وتنهج الإقناع . وآفة التعصب الفكري والديني الإساءة إلى الدين من حيث
تقديمه كعقيدة لا تملك غير جز الرقاب ، ومن ثم التعامي عن سماحة الدين التي جسدها
الرسول (ص) في حواره مع أهل الديانات الأخرى كما تخبرنا الآية الكريمة ( قال ربي
أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين ) القصص : 58 ، وكذلك ( وإنا أو إياكم
لعلى هدى أو في ضلال مبين ) سبأ : 24 . فكانت النتيجة : اعتماد الرسول (ص) على
الصبر والحوار ، فيما لجأ المتعصبون إلى السيف والتكفير .
ج ـ اعتماد المنطق الحدّي الذي لا يميز سوى بين النقيضين : أبيض / أسود ، حلال /
حرام ، ولا يعرف درجات الأحكام ومفاصلها ، مما يشدد على المسلمين ويضيق مساحة
الإباحة ويصادر منطقة "العفو" ، ويمنع عن الناس اليسر ويفرض عليهم العسر . الأمر
الذي يضع أصحاب هذا التيار في تعارض مع إرادة الله تعالى ( يريد الله بكم اليسر
ولا يريد بكم العسر ) البقر : 185 .
د ـ محاربة العقل والإبداع والفكر النقدي : إذ تعرف المجتمعات العربية والإسلامية
نصب محاكم التفتيش عبر رفع دعاوى قضائية ضد كتاب ومبدعين وأدباء ومفكرين ومخرجين
سينمائيين ، غايتها اغتيال الفكر الحر والعقل المبدع . بل إن المأساة اشتد أوارها
ليصيب مؤلفات ظلت متداولة منذ مئات السنين ، ولم يكن أحد يتوجس منها خيفة على
الدين أو التدين حتى عمَّ الخطب واشتد التعصب . علما أن الله تعالى عظَّم في
الإنسان عقله ، وجعل العقل أحبَّ مخلوقاته ، كما جاء في الحديث النبوي الذي نقله
الكليني في الكافي ، ونقلته كتب الحديث الأخرى كالتالي ( لما خلق الله العقل
استنطقه ، ثم قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال : وعزتي
وجلالي ما خلقت خلقا هو أحبُّ إلي منك ، ولا أكملتك إلا في من أُحب ، أما إني
إياك آمر وإياك أنهى وإياك أعاقب وإياك أثيب ).
هـ ـ نشر الخرافة على نطاق واسع وبكل الوسائل الحديثة ( الكتب ، الأشرطة ،
الأقراص المدمجة ، القنوات الفضائية .. ) بحيث جُعلت الناشئة أساسا تعيش مرهونة
المخاوف في عوالم الجن والعفاريت والسحر والعين والشياطين والخوارق . وغدت هذه
الناشئة ، من حيث معتقداتها الخرافية ، تعيش مرحلة البدائية الأولى التي انعدم
فيها العلم بقوانين الطبيعة وأسباب الظواهر . ولإن كان للبشرية الأولى ما يبرر
اعتماد الخرافة في تفسير الظواهر وفهم العالم ، فإن ناشئتنا الحالية ليس لها ما
يشفع اعتمادها مثل هذا الصنف من التفكير ، بعد الذي بين يديها من الخبرات
والمعارف والعلوم والتكنولوجيا . وهذا الاعتقاد الخرافي يضع حامليه في تناقض مع
تعاليم الدين الإسلامي ، وتصيب آذانهم بالصمم أمام قوله تعالى ( ولا يفلح الساحر
حيث أتى ) . فعلى امتداد التاريخ البشري لم تحقق الإنسانية أدنى مكسب ، ولم تلب
أبسط حاجياتها بواسطة السحر والجن والعرافة . إنها مفارقة خطيرة هذه التي تعيشها
أمتنا : بقدر ما تخطو البشرية خطوات جبارة نحو المستقبل بفضل العلم والمعرفة ،
بقدر ما يزداد تمسك مجتمعاتنا بالخرافة .
و ـ رفض الحقائق العلمية التي أثبتتها التجارب في موضوع كروية الأرض ، النزول على
سطح القمر ، التخصيب الاصطناعي ، زراعة الأعضاء . إذ لم يعد من البشر من ينكر شكل
الأرض الكروي أو نزول الإنسان على سطح القمر غير فئات من مجتمعاتنا ، ويا ليتها
كانت الفئة الأمية ، بل ، للأسف وللخجل ، فئة ممن يسمون بالشيوخ والعلماء
والفقهاء . إن هذه الفئة تعيش في عوالم مظلمة وتصر على الزج بالمجتمعات في غياهب
الجهل والتخلف . وليس غريبا أن يكون على رأس تلك الفئة ابن باز ، كبير فقهاء
السعودية الذي ظل إلى أخريات حياته يرفض الإقرار بهذه الحقائق العلمية . ففي
كتابه " العربية السعودية موضع تساؤل" الذي نشرته جريدة "الأحداث المغربية" خلال
شهر رمضان الأخير ، ذكر أنطوان بسبوس ما يلي ( لقد تحدث إلينا أحد ـ دون أن يذكر
اسمه ـ بصراحة : " إن ابن باز هو مصدر التطرف وتعاليمه مسموعة ليس فقط بالعربية
السعودية ، بل داخل العالم العربي والإسلامي حتى باكستان . لقد أفتى هذا العالم
بأن الأرض مسطحة ) . ويضيف المؤلف ( لا يعترف الوهابيون بأن الأرض دائرية . في
نهاية القرن الماضي خصص ابن باز كتيبا صغيرا حتى يظهر بأنها مسطحة ، كذلك كانت
العربية السعودية الدولة الوحيدة التي لم تشر فيها الإذاعة والتلفزيون إلى نزول
الإنسان على القمر . فالخبر لا يتلاءم مع الإيمان الحقيقي ) . أمام هذه الوقائع
لا يستغرب المرء أن يجد السعودية الدولة الوحيدة في العالم اليوم تحكم بالإعدام
على كل شخص يقول بأن الأرض لا تتحرك . إذ لا زال الاعتقاد الجازم لدى كبار
الفقهاء الوهابيين أن الشمس هي التي تدور حول الأرض ، وعلى رأسهم ابن عثيمين الذي
يقول بأن دليل دوران الشمس على الأرض موجود في القرآن . ومن ثم فكل من قال عكس
هذا فهو كافر لأنه "يكذب" بالقرآن . أليس فقهاء السعودية من عارضوا البث التلفزي
وهاجموا محطات بثه مثلما عارضوا إدخال الهاتف والفاكس والاستفادة من خدماتهما ؟
أليس هم من لا يزالون يعارضون حتى الإقرار بكفاءة المرأة ورجاحة عقلها ؟ ألم يكن
الداعية متولي الشعراوي سببا في وفاة حالات عديدة بسبب تحريمه زراعة الأعضاء ؟
فما أبعد هؤلاء عن إدراك سنن الله في الكون . يقول الإمام محمد عبده ( في هذا
يصرح الكتاب أن لله في الأمم والأكوان سننا لا تتبدل ، والسنن الطرائق الثابتة
التي تجري عليها الشؤون وعلى حسبها تكون الآثار ، وهي التي تسمى شرائع أو نواميس
، ويعبر عنها قوم بالقوانين . . الذي ينادي به الكتاب، أن نظام الجمعية البشرية
وما يحدث فيها من نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل ، وعلى من يطلب السعادة في هذا
الاجتماع أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يرد إليها أعماله ويبني عليها سيرته وما
يأخذ به نفسه ، فإن غفل عن ذلك غافل فلا ينتظر إلا الشقاء ، وإن ارتفع إلى
الصالحين نسبه ، أو اتصل بالمقربين سببه ، فمهما بحث الناظر وفكر ، وكشف وقرر ،
أتى لنا بأحكام تلك السنن ، فهو يجري مع طبيعة الدين ، وطبيعة الدين لا تتجافى
عنه ، ولا تنفر منه )( ص 274 الأعمال الكاملة ) .
ز ـ الاعتراض على تدريس أصناف من العلوم والمعارف : العلوم الإنسانية ، الفلسفة ،
النظريات العلمية المتعلقة بالتطور والهندسة الوراثية وغيرها . إذ تجمع فصائل
تيار البدونة على اعتبار هذه المعارف والعلوم تتعارض مع الدين وتهدد وجوده وتخرب
عقول أبنائه . وهذه كلها مزاعم يراد بها قتل العقل وخنق النقد وبسط الهيمنة على
الإنسان . إن هذا التيار يسعى إلى تشكيل قطيع آدمي يدين له بالطاعة العمياء
والانقياد التام . ومتى سادت مثل هذه المعارف شاع الفكر النقدي والتطلع إلى
الحرية والكرامة ، مما يهدد مباشرة مصالح هذا التيار . يفسر هذا المسعى عبد
الرحمان الكواكبي كالتالي ( ترتعد فرائص المستبِد من علوم الحياة مثل الحكمة
النظرية ، والفلسفة العقلية ، وحقوق الأمم ، وسياسة المدنية ، والتاريخ المفصل ،
والخطابة الأدبية ، وغيرها من العلوم الممزقة للغيوم المبسقة الشموس المحرقة
الرؤوس . . إن المستبد لا يخاف من العلوم كلها ، بل من التي توسع العقول ، وتعرف
الإنسان ما هو الإنسان ، وما هي حقوقه ، وهل هو مغبون ؟ وكيف الطلب ؟ وكيف النوال
؟ وكيف الحفظ ؟ )( ص 51 طبائع الاستبداد .). وكان من دوافع لجوء الحكومة الفرنسية
إلى فرض قانون منع حمل الموز الدينية في المؤسسات التعليمية ، حالة الارتباك
والفوضى التي تتسبب فيها الطالبات الإسلاميات داخل فصول الدراسة على خلفية رفض
متابعة فقرات الدرس في موضوع الأركيولوجيا أو نظريات دروين وفرويد وغيرهما .
ح ـ رفض الانفتاح على المذاهب الفقهية والاجتهادات الحديثة ، ومن ثم تقديس آراء
السلف . علما أن الأئمة الأولين لم يلزموا أحدا بأقوالهم كما لم يلتزموا بأقوال
من سبقوهم طالما وجدوا ما يحث على تجاوزها ، معبرين عن مواقفهم تلك بقولهم ( هم
رجال ونحن رجال ) .
ط ـ التشرنق داخل منظومة فكرية أنتجتها عصور الانحطاط مما يسد آفاق الفكر ويغلق
منافذ العقل ويعطل طاقاته . وحتى تكتمل دائرة تطويق العقل عمد أصحاب تيار البدونة
إلى إحياء ثقافة التبديع التي يكرسها القول المأثور ( إن شر الأمور محدثاتها ،
وأن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ) دون أن تكون لهذا
التيار قدرة على التمييز بين البدعة الحسنة أو المستحبة أو المباحة أو التي لا
يوجد نص صريح وصحيح يحرمها ، وبين البدعة التي تدخل ضمن الحرام أو المكروه . إذ
ليس كل بدعة هي ضلالة . كما يتترس أصحاب هذا التيار التبديعي بأقوال ترمي الأمة
بالعقم وتنفي عنها قدرتها على الإبداع والابتكار ككل الأمم . من تلك الأقوال ( لا
يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ) ، ( ليس في الإمكان أحسن مما كان ) .
ويترتب عن هذه الذهنية الانغلاقية وثقافة التبديع تلك ، مناهضة التجديد على مستوى
الفكر الديني ، ومعاداة التغيير على مستوى المجتمع وبنياته ، والدولة وهياكلها .
مما يجعل هذا التيار يتصدى لحركية الفكر وتطور المجتمعات ، ويقصر كل معاركه على
تحنيط المجتمع داخل حقبة زمنية تفصلنا عنها مئات السنين . ويمنع ، في المقابل ،
كل محاولة انتقاد وفهم تتخذ من تلك الحقبة الزمنية المراد الانكفاء إليها موضوعا
للتمحيص . ومرد ذلك إلى إضفاء القداسة على الماضي وتبجيل السلف وتنزيه أعمال
الأولين . كما لو أن الحقيقة انبلجت في عهد السلف وتجسدت في أعمالهم وقضي الأمر
وانتهى السير والنظر اللذين أمر الله تعالى بهما خلقه في محكم كتابه ( قل سيروا
في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) العنكبوت : 20 . إن هذا التيار ذي الطبيعة
الخفاشية التي يقهرها ضوء الشمس ونور الحقيقة ، لا يملك سوى القدرة على التدمير
وليس البناء . تدمير الحضارة والعقل والإنسان . ومن ثم جاء تصديه الشرس لكل
محاولات التجديد بعد اتهام أصحابها بالتآمر على الدين والأمة ، والعمل لصالح
مشروع "الصهيونية العالمية" بهدف القضاء على مقومات الأمة التي ، في اعتقادهم ،
أفشلت كل المؤامرات العالمية . لهذا يتهم هذا التيار ـ تيار البدونة ـ المطالبين
بالتغيير والتجديد بـ "تغريب" الأمة ، ومسخ شخصيتها الحضارية وطمس هويتها الدينية
. وهو بهذا الموقف المناهض للتجديد يوهم أتباعه أنه في حالة دفاع عن الدين
والهوية والأمة ، يستوجب المناصرة والدفاع عن القيم "الأصيلة" والتشبث بها ضد تلك
الغازية . ويكرس ، بالتالي ، الاعتقاد الجازم أنه " ليس في الإمكان أحسن مما كان"
. فيغدو الظلمُ والقهر المسلطان على الأمة وفئاتها المستضعفة ، في مقدمتها المرأة
، مصدر "عزة" الأمة و"نصرة" الدين . وبذلك يغدو الدين عامل استغلال واستبداد وقهر
اجتماعي . ومن أفظع المآسي التي أنتجها تيار البدونة ما ذكره أنطوان بسبوس ( ففي
منتصف شهر مارس من سنة 2002 ، تسبب الحريق الذي تعرضت له مدرسة البنات في مكة في
موت 15 فتاة ، فيما تعرضت خمسون أخريات للاختناق ، وكان المطاوعة قد منعوا
السيئات الحظ من الخروج من المدرسة التي كانت تحترق بدعوى أنهن لا يلبسن العباءة
، وأنه لا يوجد مَحْرَم من أجل استلامهن ، لأنهم منعوا الإطفائيين من الدخول إلى
المدرسة لمحاربة النيران خوفا من أن ينظروا للفتيات في غياب أوليائهن . وكانت
الفتيات قد تمكن من تسلق شباك المدرسة ، إلا أن الميلشيات الدينية أعادتهن للداخل
وبقيت صماء أمام احتجاجات الإطفائيين ورجال الإنقاذ ) . ما أفظعه مشهد
سعيد الكحل 2005 / 4 / 23
selakhal@yahoo.fr