حذاء منتظر والكرم العراقي                                                                                                            

                             حسقيل قوجمان                                                                

    عرف الشعب العراقي بكرمه وتكريمه للضيف. فالشعب العراقي من احفاد حاتم الطائي الذي كان يقدم كل ما يملك اكراما للضيف ولذلك وصف كرم الشعب العراقي بالكرم الحاتمي.
احل بوش نفسه ضيفا على العراق. وبوش هو رئيس اقوى دولة عسكرية عرفها التاريخ، دولة وضعت شعارها الاستراتيجي احتلال العالم كله عسكريا وسياسيا واقتصاديا. أحل هذا الرئيس نفسه ضيفا على العراق يرفقه 150 الفا من جنوده و150 الفا من مرتزقته وشلة من عملائه حصرهم بين اسوار خضراء تحرسهم الدبابات الاميركية. جاء هذا الضيف وهو محمل باغلى الهدايا للشعب العراقي، هدايا كلفته عدة تريليونات من الدولارات على هيئة قنابل اليورانيوم المنضب والفوسفور الابيض والقنابل العنقودية والصواريخ الذكية والاسلحة الكيماوية والاسلحة البيولوجية. أحل هذا الضيف الثقيل نفسه منذ ما يقرب من ست سنوات عاث في ارض مضيفه الفساد والدمار والخراب والجوع والعطش وفقدان الكهرباء والنور والوقود وكل مقومات الحياة.
قدم الشعب العراقي بكرمه لهذا الضيف اعز ما يملك. قدم ما يزيد على مليون من خيرة ابنائه ضحية لهذا الضيف. وترملت خمس ملايين امرأة حبا بهذا الضيف. وتشرد الملايين من ابنائه كلاجئين في بلدهم ولاجئين في ارجاء الكرة الارضية. وتعرض اطفال العراق باجيالهم الحالية والاجيال القادمة لمئات السنين باشعة اليورانيوم التي تفتك بالطفل العراقي وبجميع الشعب العراقي وحتى بحيواناته ومزروعاته. اي كرم يقدمه شعب لضيفه اقسى وامر من هذا الكرم؟
واخيرا جاء هذا الضيف نفسه ليتفقد جيوشه وليوقع وثيقة استعباد واذلال للشعب العراقي فعقد مؤتمرا صحفيا اعترف فيه بخطأ اجتنياحه للعراق وباعتماده على معلومات استخبارية كاذبة ومع ذلك اعلن ان اجتياحه للعراق كان ضروريا لامن دولته وامن العالم كله. وكان بين الصحفيين العراقيين منتظر الزيدي يسمع اقوال هذا الضيف الفظيع وقد شاهد ما سببه من خراب للدولة العراقية والهوية العراقية والجيش العراقي والمؤسسات العراقية والمتاحف والمكاتب والجامعات والمدارس. شاهد الجوع والحرمان الذي عانى منه شعبه العراقي خلال السنوات الست الماضية. وقد شعر بان كرمه العراقي وهو من كرم الشعب العراقي ان يقدم شيئا لضيفه ولم يكن لديه سوى حذائيه فقدمهما هدية لهذا الضيف الكبير ولزميله رئيس الوزراء الذي احتفى به ووقع معه اتفاقية الذل والهوان. هل هناك كرم اكثر من ان يضحي هذا الشاب العراقي بكل ما يملك، حذاءيه العزيزين؟ حقا انه تعبير عن كرم الشعب العراقي الحاتمي.
اتفق مع من ينتقد المنتظر على مخالفته لتقاليد وسلوك واصول مهنة الصحفي. فمهمة الصحفي هي ان يصغي للترهات والاكاذيب التي يقولها بوش. يصغي بادب واحترام الى ما يتبجح به بوش وجيوشه مما قدمه للشعب العراقي من تحرير وديمقراطية واعمار ومدنية. ويكتفي الصحفي بان يوجه للضيف العزيز بعض الاسئلة وحتى بعض الاسئلة المحرجة كما يقولون. ان رمي القنادر لا يدخل في تقاليد وسلوك الصحفي. ولكن منتظر الزيدي لم يكن صحفيا عند رميه الحذاءين بل كان عراقيا. كان عراقيا عانى ما عاناه الشعب العراقي من الاحتلال خلال السنوات الست من تدمير وقصف المدن بالطائرات والمداهمات والاهانات والسجون وابشع انواع التعذيب والاغتصاب والجوع والبطالة. كان عراقيا غيورا على عراقيته وعلى شعبه الذي لا يقبل هوان الاحتلال. كان عراقيا يشعر ككل عراقي غيور على عراقيته بان الاحتلال لا يخرج الا عن طريق المقاومة بكل اشكالها من المقاومة المسلحة الى الاعتصامات والاضرابات والمظاهرات والمقاطعة وحماية المقاومين وتزويدهم بالطعام والكساء والماوى. ان المقاومة لم تستخدم القنادر في مقاومتها بل استخدمت ما توفر لديها من اسلحة وما حصلت عليه من المحتل نفسه. ان المقاومة هي التي جعلت بوش الذي تبجح بعد ايام من احتلال العراق بان الحرب في العراق قد انتهت ان يعلن في مؤتمره الصحفي بعد ست سنوات ان الحرب في العراق لم تنته. ان منتظر كان يعرف ان رمي حذاءيه سيؤدي الى معاملته معاملة ديمقراطية مستمدة من الديمقراطية التي جلبها الاحتلال للشعب العراقي. ولكنه العراقي الغيور المقاوم للاحتلال لم يجد غير سلاحه الوحيد المتوفر لديه، لم يجد سوى حذاءيه يقاوم المحتل بهما فرماهما. ان بطولة منتظر الزيدي هي انه لم يتصرف في المؤتمر كصحفي بل تصرف كعراقي.
ان مكان بوش ليس ان يكون ضيفا على العراق والشعب العراقي بل مكانه هو ان يكون في محكمة شبيهة بمحكمة نورنبرغ التي حكمت على مجرسي الحرب النازيين