عصام الياسري
في مثال العراق وشأنه السياسي ومستقبله كنت أتمني أن يكون للسلطة الرابعة كما هو
مشاع أو يطلق علي الإعلام قول الفصل، لما له من قدرة وإلمام علي تفسير مفردات
الأمور وما يمتلكه من دور مؤثر في حياة المجتمعات وفي الكثير من الأحيان علي
السياسة ومساراتها ورموزها، لكنه يغدو حلماً.ولم يكن قصدي من هذا العنوان تناول
الإعلام كسلطة تحتل المرتبة الرابعة بعد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية
الثلاث قطعاً، لإدراكي من أن الصحافة والإعلام في مجتمعاتنا لم يكن لها يوماً ما
دور رائد وفي السياسة علي وجه التحديد.. إنما ما كنت أعنيه حقيقة الأمر سلطة الدولة
العراقية التي أتت علي أنقاض ثلاث سلطات تناوبت علي الحكم منذ تأسيس الدولة
العراقية المعاصرة، ألا وهي سلطة العهد الملكي وسلطة العهد الجمهوري الجديد وسلطة
العهد الديكتاتوري وسلطة عهد الاحتلال أي السلطة الرابعة الآن التي تجمع بين محورين
أساسيين: عراقي لا حول ولا إرادة له، وأمريكي يشكل مركز القرار الذي لا يقبل النقض
أو الحوار.
في إطار هذه المعادلة غير المنسجمة علي الصعيد الوطني تتراوح آليات الجذب بشكل
تلقائي بما لا يتوافق مع رغبات وطموحات المجتمع العراقي، فيما أنها تنسجم مع مصالح
كلا الطرفين، الحكومة العراقية التي تري في بقاء قوات الاحتلال ضماناً لبقائها في
الحكم، وسلطة الاحتلال التي تري في الحكومة المعينة من قبلها ضماناً لتنفيذ
استراتيجيتها ومخططاتها في العراق والمنطقة.
وفي إطار هكذا نموذج من التوافق في العلاقات والأساليب وسياسة التمحور والقفز
والانزلاق أيضاً، أحكمت الإدارة الأمريكية بفضل أجهزتها العسكرية والإستخباراتية في
العراق النقطة الرابعة قبضتها علي كل مرافق الحياة وكل المناطق العراقية، واختصرت
الطريق علي نفسها عندما تمكنت من جعل الحكومة الجهة التي تقوم بتنفيذ القرارات
بالوكالة وأهمها التنكيل بالعراقيين وسرقة ممتلكات العراق وأمواله.. كما اخترقت
بفضل عملائها الداخليين والمنظمات الصهيونية كل المؤسسات ومجالات الحياة الثقافية
والاقتصادية بما فيها الحركات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني واسعة الانتشار.
وللنقطة الرابعة تأريخ سييء مشهود في العراق لم يقف عند ممارسة التجسس وتجنيد
العملاء إنما وصل حد التخريب والتآمر والنهب.
وبفضل نشاط النقطة الرابعة التي تشرف عليها بشكل مباشر السفارة الأمريكية وعملاؤها
كما كان في عهود سابقة، تحول العراق إلي مرتع لتصفية الحسابات وافتعال الأزمات بهدف
الاستحواذ علي السلطة وتقاسم الغنائم ومراكز النفوذ ونهب خيرات البلد، فيما ترك
الساسة والمثقفون الحقيقيون أمر ومصير العراق وشعبه عائماً بين امتعاض الضمير
والركون إلي جدار الصمت.
هكذا يلوح العراق في الأفق، بلداً ممزقاً متناحراً تعصف به الانقسامات وجل آيات
الصراع السياسي والفكري والطائفي..تحكمه شلة غير متجانسة لا لها أي رصيد سياسي ولا
سيادة، تساوم علي مصير وطن ومستقبل شعب بحجة الدفاع عن ديمقراطية مجهولة، تخضع
لسلطة الاحتلال وتوغل تحت ذريعة مكافحة الإرهاب بإيعاز الأوامر لها لشن حرب علي
مواطنيها بكل الوسائل والأسلحة.
وزراء يشرعون قتل العراقيين ويهددون بملاحقة معارضيهم وإنزال العقاب الشديد بهم
معلنين تلقينهم درساً لن ينسوه أبداً..مشايخ ومرجعيات دينية نضب حياؤها وتخطي
النفاق أطراف لحاها. تجردت عن مسؤولياتها حد التواطؤ والمساومة لأجل حفظ ماء الوجه
علي حساب حرمة الوطن والإنسان خلافاً لما يفرضه عليها انتماؤها المذهبي والقومي.
الأوضاع غير الطبيعية التي يمر بها العراق ومعاناة المجتمع من عدم الاستقرار الأمني
وضعف السلطة المركزية وانقسام الصف العربي العراقي طائفياً وسياسياً وعرقياً،
بالإضافة إلي وجود قوات احتلال متحيزة سياسيا وعسكرياً ومادياً لطرف دون آخر، بسط
الأكراد نفوذهم علي أهم مراكز ومؤسسات الدولة حتي علي مستوي محافظات غالبية سكانها
من العرب أو التركمان وغيرهم. الأمر الذي جعلهم يشعرون بموقع القوي وترسيخ مبدأ
الابتزاز بهدف الحصول قدر المستطاع علي المزيد من الغنائم علي المستوي الجيوسياسي
والجيوديمغرافي حتي وصلت ممارساتهم حد تهديد زعيمهم مسعود برزاني بالحرب لفرض سياسة
الأمر
الواقع وانتزاع أجزاء
جغرافية لا شأن لهم بها في محاولة لترتيب الأوراق وتهيئة الظروف الموضوعية لتقسيم
العراق والانفصال عنه، ناهيك عن المحاولات الحثيثة باتجاه تكريد العراق علي نمط
سياسة النظام السابق لتعريب بعض المناطق الشمالية.
في كل الأحوال لا مؤسسة الإعلام مهما امتلكت من مقومات فكرية وحرفية ولا السلطة
العراقية المؤقتة التي تنقصها كل المستلزمات السياسية والتقنية، قادران، علي مواجهة
الحدث وتوجيه مسار مستقبل العراق بما يتوافق مع رغبات وطموح المجتمع العراقي في ظل
ظروف معقدة أرادت لها أطراف داخلية وإقليمية ودولية كثيرة.. لقد فقدت الحكومة
العراقية الإرادة علي العراق وتعاظم قرار الولايات المتحدة الأمريكية عليه رغم
انكشاف سياستها الكاذبة دولياً وداخلياً وانتقاد الأوروبيين لها حد القول أنها فتحت
باب جهنم عليها في العراق. الغريب في الأمر أن السلطة العراقية والأحزاب السبعة
التي تشكلت منها الحكومة ما زالت مصرة علي مواقفها الساذجة إزاء العراق وما يناسب
مصالح شعبه.
لكن من هو المستفيد من استمرار الأوضاع هكذا؟ ومن الذي له مصلحة في ذلك؟
أولاً ينبغي أن ندرك أن الإدارة الأمريكية ونقطتها الرابعة في بغداد هي الجهة
الأساس التي تحدد اتجاه مستقبل العراق وهي التي لها مصلحة في تصعيد وبقاء الأوضاع
هكذا لأن ذلك يعطيها مبرر البقاء لتحقيق مآربها في العراق والمنطقة.. المنظمات
الصهيونية المتواجدة بكثرة في كل أنحاء العراق ولاسيما في مناطق كردستان بعلم
إدارتها ومسؤوليها الذين تتوافق مصالحهم المتعددة الأشكال مع هذا التواجد ويتعاونون
معه بالمكشوف في مجالات شتي اهمها التدريب العسكري ميليشيات البيشمركة وفي مجال
شبكات الاتصال ومراقبة دول الجوار، لها مصلحة بل هي القوي الفاعلة لإثارة الشغب
والقيام بعمليات إرهابية تنسب فيما بعد لقوي عربية وإسلامية بهدف دق إسفين لتحقيق
أهدافها في العراق ومنها توسيع شبكة تواجدها الصهيوني.
والعراق الذي أصبح واحة للصيد الدسم وساحة مفتوحة لتصفية الحسابات لأجل المصالح
والإثراء علي حساب الشعب ومستقبله وقوته، لا يخلو بالتأكيد من قوي انتهازية ونفعية
مختلفة المشارب والاتجاهات، تجد في عدم الاستقرار والأمن أو عرقلة عملية التحول
السياسي نحو الأفضل كواقع يفرضه لسان حال المجتمع بشكل تلقائي منظم دون استعمال
القوة، تجد في هذا الأمر فرصة ثمينة لتحقيق مآربها المادية والسياسية.
فمن ذا الذي يمنع القوي والأحزاب المؤتلفة علي أساس الحصص في الحكومة المؤقتة،
إسلامية كانت أم عربية أو كردية، أن تكون هي التي تقوم ببعض أعمال التخريب والإرهاب
بهدف تمرير فكرة البقاء في السلطة والحفاظ علي الغنائم التي حصلت عليها في ظل
الاحتلال. وألا لماذا استعمال العنف المفرط وقتل المواطنين الأبرياء وتخريب المدن
علي يد ما يسمي بقوات الحرس الوطني والشرطة والجيش والسماح لقوات الاحتلال قمع
العراقيين أينما كانوا كرد فعل علي عمليات مقاومة أو أساليب احتجاج سلمي توصف بأنها
إرهابية تمارسها فئات المجتمع كحق طبيعي.. ولماذا تهديد الأكراد المستمر ووعيدهم أو
رفضهم حل ميليشياتهم وتسليم أسلحتهم حالهم حال القوي العراقية الأخري ومنها التي
تري في مقاومة الاحتلال واجبا وطنيا وحقا مشروعا.. وماذا يعني صمت أهم المرجعيات
الدينية إزاء كل ما جري ويجري في العراق؟
إذن أجندة كثيرة يحتوي الملف العراقي، انكشف بعضها وزال الغبار عن بعضها الآخر بفضل
الإعلام وزلات لسان المسؤولين في الإدارتين الأمريكية والبريطانية.. لكن هناك
الكثير من الأسرار لا تزال غامضة وستبقي كذلك حتي يفض عنها القدر.. ولا نعرف لحد
الآن ما هو حجم الدور السلبي الذي لعبه الساسة العراقيون المعارضون سابقاً
والمسؤولون العرب ودول الجوار كالكويت وقطر علي وجه التحديد بحق العراق. إنما الذي
نعرفه من تجارب الأمم، ليس هناك مثال واحد تألب السلطة فيه مجتمعاتها بعضها علي بعض
كما يحدث الآن في العراق، ولمن الغرابة أيضاً أن نجد سلطة تدعي رغبتها بناء
الديمقراطية وتحرير الإنسان أن تقوم أو تحرض علي قتل مواطنيها بهذه الطريقة التي تم
التعامل بها مع الكثير من المواطنين وفي الكثير من الأحياء العراقية. بيد أن الدور
المركزي للحكومة في العراق أخذ يفتقر إلي الأساس والمعايير الملاءمة لقبول فكرة
المساواة بين أبناء الشعب وكاد يكون حالة غير طبيعية غريبة علي المجتمع العراقي
يقابل بالازدراء كما تقابل قوات الاحتلال الأمريكي بالعداء والرفض والكراهية.