الحقيقة وجهاً لوجه أمام ديمقراطية علاوي وصراع الأيديولوجيات؟.
يبدو أن الوضع السياسي في إطاره العام في العراق لا يسير باتجاه التحسن بل يزداد سوءاً وتعقيداً، وليس لدى القوى والأحزاب المشاركة في السلطة منذ تعيينها على يد الإدارة الأمريكية، أي تصور لمستقبل العراق. بيد أنها تعلمت على طريقة إنسان " الجوردنتال " كيف تنهش الجسد العراقي لتحقيق مآربها المادية والسلطوية، غير معنية بمصير الأمة كيان ودولة. وبسبب نزعتها وضيق افقها وتغليب مصلحتها الفئوية، لا ترى حاجة في وضع برنامج لحل الأزمة وتخليص العراق من مأزقه المأساوي ومن ثم الانتقال وفق مشروع وطني إلى معالجة الشأن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بما فيه موضوع السيادة الوطنية وتحرير اقتصاد العراق بشكل مناسب.
ولأجل مصالحها الطائفية والقومية والحزبية الضيقة واحتواء الموقف تشد القوى المنبطحة على سرير السلطة تحت رعاية قوات احتلال، قبضتها، على عنق الانتهازيين الموالين والطامعين بالمناصب ومراكز النفوذ والمكاسب المادية بذكاء خارق. ولا تتوانى في افتعال الأزمات والتضليل وممارسة التهديد والكذب والنفاق السياسي من أجل ذلك .
جمعت الفئة التي تقود العراق حالياً مصالح مشتركة، كلها غير قانونية على الإطلاق، مهدت قبولهم كل التسويات مع قوات الاحتلال، وانتهجت المناورة أسلوباً للتضليل على حساب مصلحة الأمة.. أن الإدارة السياسية العراقية منذ مجيئها للسلطة لحد الساعة، قد امتلكت الفرصة تلو الأخرى للخلاص، لكنها لم تمتلك الإرادة والقرار.
إن فكر هذه الجماعات المدججة بأوزار الطائفية والعرقية والأيديولوجية الضيقة بحجة الخوف على أمن وحقوق الشيعية غير المغتصبة أصلاً، وعقدة اضطهاد العرب للكرد، ومسألة الحفاظ على المسيرة الديمقراطية، هو فكر، راديكالي في جوهره، وديكتاتوري في ممارساته..وواضح أن لهذه المجموعة المتغطرسة خارطة طريق ترسم مشروعها الأيدلوجي، بيد أنها لا تمتلك مشروعاً وطنياً يحمل أهم ثلاثة شروط ترتكز عليها أي دولة لضمان وجودها ألا وهي :- الدفاع عن السيادة والاستقلال الوطني، ووضع آلية لأعداد وتشريع الدستور الدائم، وأخيراً وليس آخر، إنماء وتعزيز الاقتصاد الوطني وحمايته..كل هذه الأمور لم يجر تحقيقها، بسبب سوء الإدارة وفرض المحتل رأيه، لا بل أنهم لازالوا يروجون للمشروع الأمريكي، ويصورون تحت ضغط الفوضى الإعلامية المنظمة وكم الأفواه الانتخابات بأنها البديل اللائق لحل الأزمة الأمنية وتحقيق الديمقراطية، ويضربون اليابان وألمانيا مثالاً لقلب المعادلة من أسفلها بهدف إقناعنا ضرورة بقاء الاحتلال .
أن هؤلاء المهرجين يتناسون بأن ما يحدث في العراق يختلف تماماً، إذ لم يجر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، باستثناء تدمير درسدن وهامبورك في ألمانيا وهوريشيما ونازاكي في اليابان قتل أي انسان أو مداهمة الناس والبيوت. حتى أن رودولف هس آخر مجرم حرب نازي، بقي حتى وفاته عام 1978 في برلين يعامل في سجنه الذي يقع في محيط تجاوز خمسة عشر هكتاراً معاملة حسنة وباحترام تام.. وكان عمل قوات "التحالف" لا الاحتلال لا يتجاوز الدوريات البسيطة غير المدججة بالسلاح والعودة بسرعة إلى الثكنات، بل كانت تساعد في تنظيف المدن من الأنقاض وتسهم في البناء. وكان مشروع مارشال الشهير، مشروعاً إنمائيا جعل الاقتصاد الألماني مزدهراً. وعلى الصعيد الإعلامي والثقافي فقد قام الضابط الأمريكي Oscar Marty أوسكار مارتي عام 1950 وبدعم ثلاث من دول التحالف بأهم عمل إذ وجه الدعوة لخيرة الفنانين والمثقفين الألمان لاجتماع خرج بالتحضير لإقامة أول مهرجان دولي للسينما عرف بـ " البرليناله " مهرجان برلين الدولي للسينما، احتل رئاسته في أول عرض له عام 1951 الألماني الفريد باور Dr. Alfried Bauer .
لقد تعمد الأمريكيون حل الجيش والشرطة العراقية كي لا يعطوا المبرر لخروجهم من العراق، فكلما اشتدت المطالبة بالخروج، تعذر بحجة أن الوقت غير مناسب، لأن الأمن لم يتحقق بسبب وجود الإرهاب. غير أن هذه الأفكار لم تجد طريقها داخل المجتمع العراقي، إنما وجدت لها من يعارضها عقائدياً وفكرياً، لتشذب آثارها السلبية على مستقبل العراق وسيادته.
في اعتقادي أن الأمور كلها ملتبسة ومرتبطة ببعضها البعض، الفساد الإداري والمالي، الأمور العامة ومعاناة المجتمع، التجاوز على حق الدولة في بسط نفوذها، حتى رفض رفع العلم العراقي فوق بعض مؤسسات الدولة كوزارة الخارجية العراقية التي يديرها وزير "كردي" ومناطق الحدود لا سيما الشمالية أصبح أمراً اعتيادياً، كذلك أزمة القانون وتجاذب الصلاحيات داخل المؤسسة الواحدة أو ما يتعلق بالانتخابات وشروط إعدادها أو الدفع بها بأي ثمن.
وفي هذا السياق لا يعرف أحد كيف سيكون بمقدور الناخب في ظرف قصير الاطلاع على قائمة المرشحين التي تجاوزت ثلاثة آلاف اسماً، جلهم غير معروف، البعض منهم ما زالت يديه ملطخة بدماء الأبرياء، والبعض الآخر كعضو المجلس الوطني الحالي ومستشار بارزاني القانوني سعدي البرزنجي البعثي السابق وعميد كلية القانون ثم رئيس جامعة صلاح الدين، عملاء محترفين..وتؤكد الأنباء سرقة مئات الآلاف من أوراق التصويت أو تم تزويرها، ووصول قيمة الورقة الانتخابية في بورصة الانتخابات حسب العرض والطلب وأساليب الترهيب والترغيب وحاجة الناس وظروف حياتهم إلى 150 دولار في الثورة ومناطق مجاورة، وفي الكرادة وهي معقل الحكيم إلى 110 دولار، فيما تراوح سعرها في كل من الحرية والشعلة والنعيرية والكيارة بين 80-90 دولارا. وتتوارد الأخبار بأن شركات أمريكية متخصصة في الانتخابات وأساليب تزويرها ومنها تلك التي قامت بحملة بوش الانتخابية قد وصلت العراق لدعم القوى الموالية للإدارة الأمريكية. ويعتبر علاوي الرجل الأهم والأوفر حظاً من بين المرشحين لأنه يملك إمكانيات متعددة بما فيها الحنكة وأسلوب العنف وإدارة الأزمات منذ أن كان أحد رجالات نظام البعث السابق.
عموماً المفاهيم كلها في العراق انقلبت رأساً على عقب، فالخطأ تحول إلى سوء فهم والحقيقة طاب تسميتها بُدعه، وقضية مع الانتخابات أو ضدها، أصبحت مؤشر مع العنف أو ضده، والرقم بنظر القيادي في الحزب الشيوعي العراقي عبد الرزاق الصافي لم تعد له قيمة كما يؤكد لنا في محاضرة له نقلها تلفزيون الفيحاء جاء فيها:- ليس من المهم بمكان إن قاطع السنة في مناطقهم الانتخابات أم لا، المهم أن تقام معهم أو بدونهم، ويستمر قائلاً، ليس صحيحاً أن هذه المناطق تشكل نصف سكان العراق وإنما ثلث أو حتى أقل - لقد حاول الصافي وهو الرجل المؤمن بالنظرية المادية وعلم الديالكتيك، تجاهل الحقيقة القائمة على العلوم لا على الميتافيزيقيا. إذ أنه من المعروف أن كتلة كبيرة من المجتمع العراقي تقدر بعشرة ملايين نسمة من نفوس العراق تقطن مناطق الأنبار والموصل وتكريت وديالى وأجزاء مهمة من بغداد وكركوك والبصرة والحلة والناصرية وحتى النجف وكربلاء ، الذين أراد تجاوزهم بطريقة ساذجة لا تنم إلا عن جهل ، مثلما تجاهل جوهر القضية وأهمية إيجاد منهج وسبل عمل لحل الخلافات المتراكمة بالحوار كما تؤكد العلوم الماركسية ذلك.
أما السيد كاظم حبيب الشيوعي السابق وعضو المكتب السياسي المتخصص بشؤون الاقتصاد والثقافة وعلم القوميات وفلسفة التاريخ وهندسة الصناعة والزراعة وعلم الفلك والبحار، البروفيسور والباحث الأكاديمي والاستراتيجي والمفكر والمتفقه بأحوال جيش المهدي وفدائي صدام وتأسيس المنظمات ومنها " الجمعية العربية لنصرة قضايا الشعب الكردي" والذي كان الأجدر به أن يسعى لتأسيس لجنة للدفاع عن الشعب العراقي وطرد الغزاة من أرض الرافدين، خرج هو الآخر بآرائه، النارية الخطيرة، توجت بمقال جاء فيه: أن حقوق الأكراد لا تقف عند مناطق أربيل والسليمانية، إنما الموصل وكركوك وديالى ومحيطها،تاريخياً، جزءاً لا يتجزأ من حدود كردستان التقليدية - متجاهلاً خريطة عبدالله اوجلان حول كردستان الكبرى والتي تصل حدودها إلى الخليج العربي.. لا نعلم من أين أتى الأستاذ بهذا الكرم الفارسي غير المسبوق ليؤكد أحقية الأكراد بهذه المناطق التي عرفت بعمقها وعراقة عروبتها وأهلها. واضح أنه لا ينفك عن نسج مثل هذه الروايات لأسباب ذاتية جازت له الكثير. غير أنه اعتمد أيضاً المادة 53 من القانون المؤقت لإدارة الدولة، الذي لا ينبغي التعامل به أصلاً، كونه غير شرعي ولم يجر عليه استفتاء شعبي. وضعته قوات احتلال ووقعت عليه فئة غير معنية بسيادة العراق واستقلاله ولا تمت بصلة لعروبته. في كل الأحوال أنها ستتحمل وزر هذا الخطأ العقيم، ويبقى أن البروفيسور حبيب في موقفه هذا قد أكد من جديد بأنه لا يجهل التاريخ حسب، إنما يجهل الجغرافيا أيضاً، وهو لم يعد يميّز بين التمنيات والسرد التاريخي لأصول مجتمعات هذه المنطقة وتأثيرها على التطور الحضاري فيها.
يثير الموقف السياسي والفكري لكلا الرجلين، المتمرسين والشاهدين على مسرح الأحداث والسياسة في العراق لأكثر من ثلاثة أجيال، القلق، كونه لا يخلو من عنصرية لا تنسجم مع فلسفة معتقداتهم.. فالأول يتعكز على الطائفية فيما يرتمي الثاني في أحضان القومية الشوفينيه، وكلاهما يريد أن يفسر لنا بالمطلق ، بشكل وآخر سوء تعامل العرب العراقيين "السنة" مع الآخرين، وخلق حالة مثيرة من الرعب تجرنا إلى ما وراء خطوط التماس ما يسمى بعقدة الشعور بالذنب "الهولوكوست" أبان الحكم النازي في ألمانيا والتي لا زال يعانى منها الألمان.. لكن ليست هي هذه المرة الأولى التي يعمل بها الشيوعيون لقلب الحقائق أو التنكر لمبادئهم ومعتقداتهم الوطنية على وجه التحديد، فقد سبق وان تنكروا لفلسفتهم وتآمروا على رفاقهم وخانوا تعهداتهم بأبخس ثمن. وتجدر الإشارة من باب التنويه حصراً إلى موقفهم من سكرتير عام الحزب الشهيد سلام عادل " حسين الرضي" عندما رفض الإطاحة بعبد الكريم قاسم بعد محاولة اغتياله عام 59 حيث نفاه رفاقه إلى موسكو. كذلك سكوتهم على جرائم صدام أبان الجبهة الوطنية القومية التقدمية التي وقعها مع النظام سكرتير عام الحزب آنذاك عزيز محمد "كردي" ودعا الكثير من كوادر الحزب المثقفة تعليم الرفاق البعثيين أصول الماركسية في معاهد أسسها النظام. كذلك سكوتهم على مذبحة بش تشان التي راح ضحيتها أكثر من مائة وخمسون شيوعياً عراقياً "عربي" قتلتهم قوات جلال طلباني بمنتهى البشاعة.
إن المسألة القومية والمسألة الوطنية بكل مشتقاتهما الفلسفية والروحية والقانونية،مبدءان، يشترط كلاهما ملازمة أحدهما للآخر. وتكتسب أهميتهما في بناء الدولة وإرساء نظامها الاجتماعي والسياسي، وليس كما يريد الطائفيون والشعوبيون تسويقه داخل المجتمع العراقي وفي المنطقة..ثمة دوافع لا لها علاقة بجوهر وطبيعة التحولات الجديدة، بقدر ما لها علاقة بمضمون مصالح هذه الأطراف وارتباطاتها الاستعمارية، جعلتها تتجاوز المنهج التقليدي في تعريف المفاهيم والمفردات في واقع السياسة على مستوى الدولة ونظام التشريع فيها. نذكر على سبيل المثال: الفيدرالية ومحاولة بعض الأطراف فرضها بالقوة في ظل غياب دستور يستند إلى الشرعية، يتكفل شروطها ويحمي حقوق الأكثرية ولا يجعلها تخضع لأوامر الأقلية مهما كان شكلها أو انتمائها القومي أو الطائفي، إلا بالوسائل التشريعية والقانونية التي تضمن حق الجميع.
تتشدق بعض الأحزاب والحركات ومنها الإسلامية الشيعية بأهمية أجراء الانتخابات وفرضها على المجتمع على علاتها. وتعتبر موعدها "مقدس" وفقاً لما ينص عليه قانون الدولة المؤقت، لأنها تعتقد ستحصد نصراً سياسياً يمكنها من تغيير مسار العراق لعقود. وهناك من يطمح كالحزبين الكرديين الكبيرين بقيادة برزاني وطلباني إلى توسيع رقعة نفوذهما الجغرافي والإداري والاجتماعي في اتجاه تقسيم العراق..بيد أن باول وأثناء زيارته الأخيرة إلى العراق والالتقاء ببرزاني في أربيل. رد في سياق الحديث عن رغبة الأكراد في قيام دولة كردية "نقلاً عن شاهد عيان" قائلاً: ـ أن صدام موجود وعودته لا تتجاوز فترة حلق ذقنه ـ في إشارة إلى الكف عن الفكرة لأسباب موضوعية تتعلق بمصالح أمريكا في المنطقة.
على أية حال نحن مقبلون على وضع سياسي خطير للغاية، بسبب الكثير من الزلات الاستراتيجية والفكرية التي وقعت بها الأطراف الماسكة بالسلطة، ومنها الانتخابات غير المعروفة نتائجها. بيد أن اصطفاف القوى بات في بعض أوجهه واضحاً، حيث أن الحركات الإسلامية الشيعية كالدعوة والمجلس الأعلى لها جمهورها الانتخابي، كذلك الأكراد، بينما لا زال الآخرون كالوفاق والشيوعي والديمقراطيين "الباجه جيين" والملكية يلهثون وراء كسب المؤيدين.. إذاً ما العمل إذا ما فاز الإسلاميون الشيعة، وماذا سيكون موقفهم إذا ما فاز علاوي؟ وهل سيحترم الجميع أصول اللعبة ويسكت على التزوير والمخاتلة وفرض أمر الواقع؟. في اعتقادي أنها أسئلة كبيرة سوف تجيب عليها المرحلة القادمة حتى قيام الانتخابات بساعات، وستكون مليئة بالمفاجئات دون المناورات. لكن القرار مهما خفت حدته ومهما تعرض للاختزال سيبقى بيد الشعب، وهو وحده الذي بيده في نهاية المطاف قرار الفصل.
برلين / عصام الياســـري