انتخاباتنا وانتخابات أهل السويد

د.علي ثويني

لو ذهبنا"جدلا" ، و(أعرنا) العراق الخربان اليوم  لدولة السويد ، لمدة عشرة أو عشرين عام، قابلة للنقض أو التمديد، ونترك لهم حرية تطييب الخواطر وإصلاح النفوس وترويض الوحشية ،وتنظيم المجتمع والإقتصاد مع المحافظة وعدم المساس بثوابت الثقافة و الدين واللغات والأعراف والحرمات..الخ،ويترك لهم العنان في إرساء منظومة دستورية وقيم ،وإحلال  حلول واقعية لأشكالات مستعصية في العقدة العراقية، لم نجد لها مخرجا . كل ذلك مقابل ما يفيدهم من إيرادات النفط والإستثمار التي تذهب اليوم جزافا لجيوب الطبقة السياسية الجاهلة التي تسخرها للصرف على المليشيات ومهرجانات قطع الرؤوس، على مبدأ البدوي الذي حينما يرزقه الله بوافر الرزق يلجأ لأمرين فأما أن يشتري مسدس ويقتل أحدا ويدخل الحبس أو يزوج أبنه صغيرا و(يكسر رقبته).

لم يظهر في السويد لا نبي ولا وصي ولانجف أو سامراء ولا العزير أوسيد صريوط،والأهم لاشيعة ولاسنة، وأجزم في ذلك أن الله يبعث هؤلاء المصلحين الصالحين للـ(عوجان) من أصحابنا حصرا وقصرا، فكان الشرق القديم مرتعا لهم، فاراحهم من شقاق البشر على مذاهبهم والخلاف على موالاتهم ،حتى بعد دهر على موتهم. ولم نطلع هنا على قبور لصالحين يتقاتل سدنتها كما (الفتوة) من أجل مكاسب دنيوية،هي ليست زاهدة البتة، وقد وصلت الى مليارات ست كما عند السيد الخوئي رحمه الله عليه. ولم نسمع في السويد شخص مثل عزيز الحكيم يستحوذ على مدن وأحياء بمباركة روحية وقدسية وردت من "اجداده المنعمين"، او وزير مثل حازم الشعلان من متهالك وضايع وعفطي الى مالك ملياري دولار خلال توزير لشهور معدودات.

كل شئ عندنا مختلف حتى إنتخاباتنا ليست مثلهم . ففي إنتخاباتهم شفافية ولطف معشر، وتداول على السلطة بشكل سلس وحضاري وليس على مبدأ السقيفة التي مازال الرعاع تتذابح من أجلها بعد 1400 عام. الفوز بالإنتخابات لدى هؤلاء القوم يعني تنازل السابقون للاحقون إعترافا بتقاعسهم وتقصيرهم ،ولم يتشبث السابقون بمناصبهم (كما فعل أصحابنا)،ولم يشمت اللاحقون بالسابقون أو يعيروهم ويشهروا بهم. وهكذا أعلن يوران بيرشون الإجتماعي الديمقراطي بأنه كل ومل الحياة السياسية،واصبح عمره 57 عاما ،وهو سعيد بخسارته،كونه سيعود الى داره هذه الليلة دون مسؤولية،ويخلد للراحة وينام رغدا. اما المنتخب الجديد(فرديريك41 عام) فقد ذهبت له سيارة الدولة لتجلبه أول مرة من بيته المتواضع في حي (تيبي) على أطراف ستوكهولم، الى مكتبه في (الريكسداغ) المركزي دون منطقة خضراء ولا جرباء، ليتعرف على موظفيه الثابتين،ولاينتمون لعشيرة الريس ،ووجد عند خروجه جارتان قدمتا له الورد مع صباح مبارك(كو مورون)،دون هتاف(بالروح بالدم) ولا تطويق من عسس أو حماية.

أنتخبنا أنا وزوجتي في السابعة مساءا،وأغلقنا أربعة مضاريف بألوان مختلفة وضع كل في صندوق، وكان الإنتخاب يغلق على الساعة الثامنة مساءا من يوم الأحد، لكن النتائج النهائية ظهرت منتصف نفس الليلة ،أي بعد 4 ساعات فقط. وهنأ الجميع أنفسهم بالنجاح أو قالو(هاردلك) للخاسرين، ولم نجد من يكتأب أو يمتعض من فشل. وهكذا أعلن الجميع فوزهم والوطن من ورائهم.

إنتخابات العراقيين أستغرقت نتائجها  ثلاثة شهور لتعلن على عباد الله من أمثالنا، وبلغ السيل الزبى بالحماس ووطأ التزوير عنان السماء، حتى أستغاث كوفي عنان نفسه منها.  ثم أعلن للملئ بأن اللجنة المشرفة قد سرقت الملايين وأسترزقت من فرصتها ،ليزيدوا الهم العراقي هما وغما،فقد تناهشهم حازم الشعلان ونسرين برواري و حكومة علاوي وسفارات زيباري ، و(قيم الركاع من ديرة عفج). تسائل يطرح نفسه حتى على الساذج مثلي : إذا كانت اللجنة المشرفة على الإنتخابات تنخرها المثالب،وتسرق وتتعاير وتتكاشف أمام خلق الله ،فكيف نضمن أننا لم نستغفل، وأن إنتخاباتنا كانت نزيهة وأن سلطتنا اليوم جاءت بالإنتخاب الحر الذي لم يتحكم بنتائجه الأمريكان وإسرائيل.

من عاش في بلد (يحترم نفسه) مثل السويد،وكل الأمور به "مثل الساعة"، يتلمس بالمقابل كثرة شكوى الطبقة السياسية من أدائهم ، حتى ليبدوا لك من(أول شوفه) أن بينهم وبين الهاوية شبر. بينما ساستنا نجدهم على العكس، فانهم "صدقه لجهامتهم" مبتسمين ويرددون  (نحن بخير والحمد لله) دائما أو (منتصرين)،وما أحوالنا إلا (فوق النخل)،لكن الأخبار تتواتر عن ضياع وحرب أهلية وهاوية حقيقة تنتظرنا. كل ذلك جعلني أطبق قاعدة بأن من كثر شكواه من الساسة، فهو فعلا بخير ، أما الذي يظهر على التلفاز،و يبشرك بأنه سيجعل (الهور مرق والبردي خواشيك)، فلا تصدقه، ولعنة الله  عليه ،فهو يؤملك بالخير،ليمرر من ورائه عشيرته ليحتلو المناصب(كما فعل البعثيين في السابق) أو يخدرك و يعد العدة للهرب بالمسروقات.وهكذا سوف لن نتفاجئ في أن كل الوجوه التي هي اليوم بالسلطة من وزراء الى سفراء، سيصنفوا غدا في عداد السراق وتعلن عنهم لجنة النزاهة وتبحث عنهم الأنتربول.

إبنتي سلمى 11 عام ذات توجه إسلامي وهي متدينة، لكنها نصحتني وأمها أن نصوت لصالح حزب اليسار ،وهو ماتبقى من أرث الحزب الشيوعي السويدي، والسبب بسيط ان لديهم برنامج حكومي في صالح الطبقات الدنيا والأجانب، ولديهم نية بجعل النقل مجاني، وتوفير فرص عمل أكثر، وزيادة الاهتمام بالمدارس، وهكذا أستقطبوا الجموع ومنهم حتى إبنتي ذات التوجه "الإسلامي". والأحزاب هنا (قول وفعل)، فحينما تتبنى طرحا ما أو حلا معينا،فأنه يأتي بعد مداولات وبحوث مختصين وتكنوقراط حاذقين،وليس"مجارية" أو "معممين"مثل عزيز الحكيم أو نزقين كما برزاني  .وهكذا فان الحلول العلمية لدى القوم معلنه، و مكوثهم في البرلمان والسلطة مرهون بمدى بتطبيقهم لوعودهم الإنتخابية ،وليس لأن على رأس أبو أحدهم ريشه.

تخيلو يا كرام ان يأتي يوما، ينتخب أحد معممي النجف حزب نادية فارس العمالي الشيوعي التروتسكي ،وتخيلوا أن شيوعي من الرعيل الستاليني الديناصوري المتحجر ، ينتخب عزيز الحكيم ،بسبب برنامجه الإنتخابي. الأحزاب لدى السويديين تملك بإعتداد برامج وحلول واقعية لمشاكل ملموسة،وليس نزولا عند خاطر اشخاص وثقل تجمعات وشفاعة أديان وحظوة طوائف و تعصب قوميات وأرومات ومداهنة عشائر وحمائل. فالكردي لدينا حميته "كردستانية" ، والشيوعي مذعن لما تمليه عليه(القيادة الحكيمة)،ومن المفارقات أنهم في الخارج روجوا  لقائمة علاوي "العلماني"،وبرزاني" العنصري".وكانت حجتهم بعد 75 عام قدم سياسي(دفعتهم تقاعدت) ،بأن (علاوي علماني وبرزاني حداثي)، بالرغم من أن البعثيين كانوا حراس العلمانية الأمناء أكثر من علاوي، وبرزاني لايمت الصلة بالحداثة، كونه أغا وإقطاعي ويمثل سلطة  القرون الوسطى.يبدو ان  الشيوعيين لم يستوعبوا دروس السياسة، بما أضاع عليهم فرصة التبوأ وتمثيل العلمانيين والحداثيين واللامنتمين على حد سواء، وأتسائل هنا"لخاطر الله" متى سيتعلمون من دروس الماضي؟.

حينما غابت البرامج الإنتخابية، وأختفى المرشحين وراء قوائم و رموز وشعارات فضفاضة ، وطفق حملة تدجيل وتذكير بقرب ظهور لصاحب الزمان،والأنكى أن ببغاواتهم أخذ يصرخ من على منابر الحسينيات،بأن أنتخاب عزيز الحكيم ورهطه من أصحاب (الخمسات الثلاث) يحاكي في أجره وقفة يوم الغدير أو  نصرة الإمام الحسين(ع) يوم الطف.لم يكن ذلك إلا "لكط" فقط، فقد  أنكشف الامر بعد شهور قلائل ،وتبين أن هؤلاء ليسوا أحسن من البعثيين جرما أو سرقة، مع الفارق الوحيد أنهم أتوا عن طريق صندوق" الإنتخاب" الأمريكي.

وهكذا طغى الإمتعاض وتصاعد الأسى والندم على إنتخاب أهل (الشمعة) الذين تاجروا باسم الدين ونأوا عنه بالسرقات،  وعن الفقه العلوي بنأيهم عن الفضيلة والزهد، و"تغليسهم" عن السيد السيستاني، حينما قلبوا عليه المجن ،ولم نعد نسمع عنه أو إصغائهم لنصائحه، والظاهر أن (عند البطون تعمي العيون).و خرجت ضدهم مظاهرات وسمعنا عن رجما بالحجارة أو رمي "النعالات" ،قد حدثت في الكاظمية والبصرة وكربلاء وحتى في أربيل المحصنة "بسور سليمان". 

لم نسمع في خضم إنتخاباتنا من شخص متقد ذكاء مثل عزيز الحكيم أي برنامج إنتخابي ، لذا فالعتب عنه مرفوع. فها هو يروج للفدرالية الطائفية التي لايرتضيها العراقي الواعي ، و يضم لأملاكه ما بقى من غنائم البعثيين ويستحوذ على موارد العتبات المقدسة، ويعلن النجف مقاطعته،و لم يعد للعراقي حق شراء شبر بها مثلما فعل صدام في الأعظمية وبغداد، أو برزاني في أربيل وطلباني في السليمانية. لقد  تناسى عزيز في لجة(اللغف) أن البسطاء أنتخبوه ائتمانا ليحميهم من الفناء ، وان يوفر لهم بنية خدمية وتحتية تليق بإنسانيتهم، وربما تقابل أموال الخمس والزكاة، التي جمعها من عرقهم و تنعم بها هو وأهله مقابل حرمانهم.

كنت في الثمانينات أعمل في مدينة وهران الجزائرية، وكنا نقوم ببعض الأعمال العمرانية والمعمارية في مدينة صغيرة تدعى (عين الترك) تقع على ساحل البحر غربي المدينة. وحينها كنا نلتقي في البلدية الإدارات المتعاقبة و نسمع منها لغطا وإمتعاضا، ويخبرونا زملائنا بين فترة وأخرى بأن رئيس البلدية قد أبدل بسبب سرقته وإرتشائه ،حتى أن أحدهم اسمه عبدالقادر جعل أمه تدير عملية إستلام" الهدايا" وتكدسها كما قارون. وهكذا تكرر الأمر دواليك،حتى  دخل علينا ذات يوم أحد الموظفين الذي أقر بنزاهته ووعيه "الإستثنائي"، يدعى (عز الدين شراك) وكان يساري التوجه ،و يراس الوكالة العقارية في البلدية ، دخل ناقما مزمجرا على غير عادته الدمثة الهادئة، وبعد أن استعرض مهزلة تبديل رؤساء البلدية صرخ بالموجودين: متى نستورد رؤساء بلدياتنا من السويد؟.وفي حينها لم يكن لي سابق معرفة بهذا البلد لكني اليوم مطلع عليه،واشعر أن (شراك) الجزائري،كان محق في ماذهب إليه، وإذ أكرر بأعلى صوتي اليوم: متى نستبدل آلاف مؤلفة من متحاصصي (المنطقة الخضراء) بسياسي واحد من السويد.