الحجاب بين الدين والسياسة والعرف 2/4
ضياء الشكرجي
مناقشة النصوص القرآنية
والآن لنناقش النصوص القرآنية التي أوردناها، ومدى دلالتها على الحجاب بصورته الشائعة. وسأبدأ بالنصين الواضح فيهما عدم إمكان الاستدلال بهما على الحجاب، واللذين لا يستند إليهما معظم الفقهاء كدليل على حكم الحجاب، لأنتهي بالنصين المُستـَدَلّ بهما عادة من قبلهم على الحجاب، إضافة إلى استدلالهم بالإجماع، لكي أختم بما هو أقوى لصالح المستدلين بالقرآن على الحجاب، وليس بما هو أضعف.
النص الأول: سورة الأحزاب - الآيتان 32 و 33:
يا نِساءَ النَّبِيِّ لَستُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيتُنَّ، فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذي في قَلبِهِ مَرَضٌ، وَقُلنَ قَولاً مَّعروفاً (32) وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأولَى، وَأَقَِمنَ الصَّلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وَأَطِعنَ اللهَ وَرَسولَهُ ... (33)
النص الثاني: سورة الأحزاب - الآية 53:
وَإِذا سَأَلتُموهُنَّ مَتاعاً فَاسأَلوهُنَّ مِن وَّراءِ حِجابٍ، ذلِكُم أَطهَرُ لِقُلوبِكُم وَقُلوبِهِنَّ، وَما كانَ لَكُم أَن تُؤذوا رَسولَ اللهِ وَلا أَن تَنكِحوا أَزواجَهُ مِن بَعدِهِ أَبَداً، إِنَّ ذلِكُم كانَ عِندَ الله عَظيماً (53)
بالنسبة للنصين الآنفين، فمن الواضح أن الأمر يتعلق فيهما بأحكام خاصة بنساء النبي (ص) دون غيرهن، ولا أظن أن هناك من الفقهاء المعتبرين ممن يعمم الأحكام الخاصة بنساء النبي على عامة النساء. لكن بعضهم جعل ما هو واجب على نساء النبي (ص) مستحبا بالنسبة لسائر النساء، باستثناء حرمة زواجهن بغيره من بعده، ومن ذلك قوله تعالى «فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذي في قَلبِهِ مَرَضٌ»، والمقصود هنا عدم تحدث المرأة بتميُّع وأنوثة و(دلع)، كما يُعبَّر عنه، مع الرجال الغرباء، كي لا يتصورا أن هذا يعبر عن رغبة منها فيهم، أو عرضا من قبلها لنفسها عليهم، والتميع بطريقة الكلام، أو ما أسمته الآية بالخضوع بالقول، هو مما تتجنبه عادة كل امرأة تحترم نفسها، حتى لو لم تكن متدينة، ولكن ربما يكون مصداق مفهوم (الخضوع بالقول) أمرا نسبيا ومتغيرا بتغير العرف. وكذلك يُستفاد من قوله تعالى: «وَقَرنَ في بُيوتِكُنَّ»، في استنباط الكثير من الفقهاء لكراهة خروج المرأة للمجتمع، إلا للحالات الضرورية، حتى بالغ البعض بدعوى استحباب ألا تخرج في حياتها إلا خروجين، وإلا فهي إما سجينة بيت أبيها، أو سجينة بيت زوجها، سجنا مؤبدا بلا ذنب، سوى قدرها أن تكون أنثى، وهذا نادرا ما يُلتزَم به، ولا يفتي به من الفقهاء إلا بعض من السلفيين المتشددين من الفريقين، ومثل ذلك ينطبق على قوله عز وجل: «وَإِذا سَأَلتُموهُنَّ مَتاعاً فَاسأَلوهُنَّ مِن وَّراءِ حِجابٍ»، والأجدر أن يكون ذلك مطلوبا عندما تكون المرأة وهي في بيتها لم تضع على نفسها من اللباس ما يلائم خروجها إلى الرجال الغرباء، كأن تكون بملابس النوم، أو بملابس خفيفة في الصيف تظهر من خلالها مفاتنها الأنثوية المثيرة للرجال عادة، وإلا فلا دليل على تعميمه، وإن كان الكثير من المتدينين المحافظين يلتزمون به، تعبيرا منهم عن التقوى وكمال الطاعة ودقة الالتزام. أما قوله سبحانه: «وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأولَى»، فهذا ما يعممه الكثيرون على عموم النساء بضميمة الآيتين اللتين سنعرض لهما لاحقا. ولذا أرجئ مناقشة هذا النص إلى مناقشتي للنصين الثالث والرابع، ومع هذا يمكن ابتداءً القول أن مسألة التبرج قد تكون هي الأخرى نسبية ومتغيرة بتغير العرف والظرفين الزماني والمكاني، حسبما يرى كثيرون، وإن كانت هناك لا شك بعض الثوابت من الضوابط.
النص الثالث: سورة النور - الآية 31:
وَقُل لِّلمُؤمِناتِ يَغضُضنَ مِن أَبصارِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُروجَهُنَّ وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنها، وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيوبِهِنَّ، وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعولَتِهِنَّ أَو آبائِهِنَّ أَو آباء بُعولَتِهِنَّ أَو أَبنائِهِنَّ أَو أَبناء بُعولَتِهِنَّ أَو إِخوانِهِنَّ أَو بَني إِخوانِهِنَّ أَو بَني أَخَواتِهِنَّ أَو نِسائِهِنَّ أَو ما مَلَكَت أَيمانُهُنَّ أَوِ التّابِعينَ غَيرِ أُلي الإِربَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفلِ الَّذينَ لَم يَظهَروا عَلى عَوراتِ النِّساء، وَلا يَضرِبنَ بِأَرجُلِهِنَّ ليُعلَمَ ما يُخفينَ مِن زينَتِهِنَّ، وَتوبوا إِلَى الله جَميعاً أَيُّها المُؤمِنونَ لَعَلَّكُم تُفلِحونَ (31)
«وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنها»، والزينة هي على الأعم الأغلب ما تلبسه المرأة من حلي، وهنا ليس المعول عليه عدم إظهار الحلي، وإنما عدم إظهار الحلي التي تعلو أجزاء جسد المرأة مما لا يجوز لها إظهارها. ولذا فالأمر منوط بما يجوز ولا يجوز إظهاره من جسد المرأة، ولذا نعرض عن مناقشة الزينة كزينة، إلا إذا كان من الزينة ما فيه إثارة جنسية للرجل.
أما قوله تعالى: «وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيوبِهِنَّ»، وهو أكثر ما يستدل به على وجوب الحجاب، فيبدو من ظاهر الآية أنه أقرب إلى أن يصلح دليلا على عدم وجوب ستر الشعر منه دليلا على وجوب ستره، ذلك أن الآية تنبه إلى ستر ما يظهر من صدور النساء، ومن غير المعقول أن تكون المرأة من جهة متسامحة في مدى سعة أو عمق فتحة جيب فستانها، بحيث يظهر جزء من صدرها ولعله أعلى نهديها، وتكون من جهة أخرى دقيقة جدا في إخفاء شعرها بالكامل، دون أن تظهر منه ولو شعرة واحدة. ومع هذا نبهت الآية على عدم إظهار الصدر بسعة أو عمق جيب الفستان، دون أن تشير لا من قريب ولا من بعيد، لا تصريحا ولا تلميحا، إلى الشعر. فلو كان الشعر مما يجب إخفاؤه، أو إخفاؤه بهذه الصورة الدقيقة، لقال الله بلغة النهي: «ولا يبدين شعورهن»، أو بلغة الإيجاب: «وليخفين شعورهن»، وهذا ما لم تشر إليه الآية الكريمة من سورة النور. ولذا فالآية وحدها، وهي أشد آيات الحجاب، لا تدل على الحجاب بصورته التي يفتي بها الفقهاء، لذا لا بد من أن يطلعنا فقهاؤنا المحترمون على حقيقة أدلتهم، والظاهر أنهم يعولون على الإجماع فقط. والإجماع من الناحية العلمية الأصولية (نسبة إلى علم أصول الفقه) ليس حجة كما بينا، أو هو حجة ناقصة، وإن كان من الناحية العقلائية عامل ترجيح.
«وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعولَتِهِنَّ أَو ...»: وقد ناقشنا الموضوع في قوله «وَلا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنها»، إذن لإظهار الزينة استثناءان، هما أولا «إِلاّ ما ظَهَرَ مِنها»، وثانيا «إِلاّ لِبُعولَتِهِنَّ أَو آبائِهِنَّ أَو آباء بُعولَتِهِنَّ أَو أَبنائِهِنَّ أَو أَبناء بُعولَتِهِنَّ أَو إِخوانِهِنَّ أَو بَني إِخوانِهِنَّ أَو بَني أَخَواتِهِنَّ أَو نِسائِهِنَّ أَو ما مَلَكَت أَيمانُهُنَّ أَوِ التّابِعينَ غَيرِ أُولي الإِربَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفلِ الَّذينَ لَم يَظهَروا عَلى عَوراتِ النِّساء». وأضيف إلى هذا النص قوله تعالى «وَلا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأولَى»، وهو من النص الثاني الذي أرجأنا مناقشته، للعلاقة الوثيقة بهذا النص، وإن كان خطابا موجها بشكل خاص لنساء النبي (ص)، ولكن لو تسامحنا وعممناه، فيبقى مفهوم التبرج هو الآخر نسبيا في مصاديقه بحسب العرف والزمان والمكان، مع التسليم بثبوت ثمة ضوابط.
«وَلا يَضرِبنَ بِأَرجُلِهِنَّ ليُعلَمَ ما يُخفينَ مِن زينَتِهِنَّ»: ربما يكون هذا النص أكثر دلالة على ستر المرأة لساقيها، بحيث لا يُسمَح لها إلا بإظهار القدمين، كما يذهب معظم الفقهاء من الفريقين، باعتبار أن الآية تقرر أن زينة أسفل الساقين، أي الحجلين مخفيان، أساسا، وإنما يدل صوت رنينهما عليهما من جراء مشية خاصة. ولكن قد يكون المشي بطريقة تجعل المرأة يُسمَع ثمة رنين صادر من حجليها بحسب عرف ذلك الزمان من الممارسات التي تثير المرأة بها الرجل، وليس بالضرورة مقصودا به إخفاء كامل الساقين، وإن كان كشف الساقين من مفردات الإثارة الأنثوية بلا شك، تزداد الإثارة معه بمقدار ازدياد الكشف إلى أعلى. وهذا ما سأتناوله لاحقا، أي ما هو أكثر إثارة من جسد المرأة.
النص الرابع: سورة الأحزاب - الآية 59:
يا أَيُّها النَّبي قُل لأَزواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ المُؤمِنينَ يُدنينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابيبِهِنَّ، ذلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ، فَلا يُؤذَينَ، وَكانَ الله غَفوراً رَّحيماً (59)
فيما يتعلق بقوله تعالى: «يُدنينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابيبِهِنَّ»، فهو كلام عن إطالة الثياب من أجل ستر المرأة لساقيها، أما بأي مقدار، فلم تحدد الآية، ولعل القضية تبقى نسبية بحسب العرف، خاصة إن الآية بينت علة الحكم هنا بقوله تعالى: «ذلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ، فَلا يُؤذَينَ»، أي ليدللن بطريقة لبسهن على إيمانهن والتزامهن، أو لنقل على عفتهن، كي لا يطمع بهن الرجال - لاسيما عرب الجزيرة يومذاك المعروفين بسيلان لعابهم بمجرد سماع لفظة أنثى، وشدة شهوتهم تجاه النساء - والذين يلاحقون النساء بعيونهم بشهوانيتهم وبشـَرَههم الغريزي الذي يقترب من الحيوانية، فيتحرشون بهن، متوهمين أنهن من اللات يمكن أن يقدمن أجسادهن بسهولة، سواء شهوة منهن، أو بيعا لأجسادهن مقابل مال أو أي شيء آخر، على نحو الدعارة، أو على نحو المتعة التي أباحها الإسلام تنظيما منه للعلاقة الجنسية الموقتة خارج إطار العلاقة الزوجية، مع إن المتعة لا بد أن تكون علاقة متكافئة، وليس علاقة مُستمتِع ومُستـَمع بها، ذلك بحكم قوله تعالى «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف»، فليست العلاقة الجنسية عبارة عن تلبية من قبل النساء لرغبة الرجال الجنسية، بل هي رغبة متبادلـَة وتلبية متبادَلة، واستمتاع متبادَل، مع إنه يمكن أن يستجيب أحد الطرفين أحيانا للرغبة المبتدئة من الطرف الثاني، بقطع النظر عما كان كل من المبتدئ بالرغبة والمستجيب رجلا أو امرأة. وحيث أن السفور، لاسيما السفور المحتشم لا يدل اليوم على رخص وابتذال المرأة وسهولة شراء أو نيل جسدها من قبل الرجال الشهوانيين، تكون العلة من الحجاب بشكله التقليدي قد انتفت، وبالتالي يكون حكم الحجاب - ليس كليا ولكن على هذا النحو - سالبا بانتفاء علته. وهذا لا يقودنا إلى الإفتاء - ولست من أهل الإفتاء والمعاذ بالله - بحلية السفور مع اشتراطه بالحشمة، فلعل هناك أدلة غائبة عنا، كما لا نستطيع أن ندعي معرفتنا بكامل علة حكم الحجاب، إن وجد ثمة حكم بالحجاب، حسب ما يذهب إليه الإجماع. نشر الموضوع لاول مرة في كتابات