ذبّاحون بالكلمات..ذباحون بالخطب
عبدالمنعم الاعسم
من مهازل الاحداث ان رقابنا لم تعد عرضة للذبح بالبلطات والسكاكين والسيوف، حيث يشحذها اصحابها، صباح مساء، وحيث يخفونها طي ثيابهم، وتحت ايات من القرآن الكريم، استعدادا لـ”المنازلة” وحرب الطوائف، وقبر احلامنا باقامة دولة مسالمة الى الابد، وتشييع العراق الى مثواه الاخير.
اقول، ان رقابنا لم تعد عرضة للذبح بادوات قاتلة، وبمطاوي ودونكيات وشفرات، بل وايضا بلغة حادة، ومفردات مشينة، وسطور متوحشة تفيض بالكراهية والحض على القتل، وتجميل الموت من اجل الطائفة والعشيرة والزعيم، إذ برع في توليف ذلك كتبة، واطلقها انصاف خطباء، تتوعدنا-بصريح العبارة- بقرب “الحسم” ويوم الحساب العسير، فيما الارهابيون واللصوص وفضلات النظام السابق ينشرون الموت في كل مكان ويفجرون طوابير العمال ويسممون مياه الشرب ويقتلون المارة على الهوية بشبهة الانتماء الى الغد، وظنة العمل على تنشيط دورة العراق الدموية.
ومن فيض الكلمات الذبّاحة صرنا نقرأ في صحف ورقية والكترونية، من داخل العراق وخارجه، ما يثير الذعر والقرف لجهة حماسته للقتل والابادة وبسبب تبريره لشحذ السكاكين، واقصاء الرحمة والتسامح
والادمية، وقد كتب احدهم ينادي ابناء طائفته بنص القول:”ايامهم قريبة، وما لهم والله غير المزابل التي وُعدوا بها في كتب السماء، وما لنا والله غير النصر الذي بشرنا به رسول الله” وقال “ يقولون عن انفسهم انهم عراقيون، ونقول انهم اغراب، انجاس ، ولو كانوا عراقيون حقا لتكلموا اللغة العربية بفصاحة، ولعرفنا حسبهم ونسبهم ، ولاعترفوا بجرائمهم، فهل يمكن ان تأخذنا رأفة بهم، وهل نرحم شيوخهم ونساءهم ، وهم لم يرحموا اجنة في بطون نسائنا، ولا دابة تمشي على مرابعنا”.
ومن فيض كلمات ذبّاحة اخرى بدأت تظهر بيانات وكتابات تذهب الى اعتبار القتل.. قتل اتباع الطوائف الاخرى، بمثابة شريعة لا مفر من التزامها ، وتقول واحدة منها بعد التعوذة والبسملة: “ هذا يومكم يا محبي رسول الله، فقد امعن اعداؤكم في القتل والقضاء على الحرث والنسل، واستعانوا بالشيطان وقطاع الطرق عليكم ، حتى صرتم جيشا جرارا من التوابيت والسبايا..انهم يمضون قدما في جرائمهم الشنيعة، فيقربون رقابهم الى اليوم الموعود حيث سنصنع منها حبالا لنشر الغسيل” وافاد القول ايضا: “نقتلهم ونقضي عليهم قبل ان يقتلونا ويقضوا علينا”.
السؤال هو : من اين جاءت هذه الثقافة؟ والسؤال التفصيلي هو: هل كان العراقيون قد اخترعوا الكتابة قبل ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة لكي يورثها عنهم مغول يصنعون منها ادوات للذبح.