ندوة حول العراق في برلين تنتهي بإخراج العراقيين المتحمسين للاحتلال من القاعة
وسط تهديدات ووعيد واتهامات متبادلة بين العراقيين الموصومين بموالاة نظام صدام المندثر، والمتوائمون مع الخط الأمريكي وقوات الاحتلال المتعددة الجنسيات في العراق، انتهى يوم السبت 12 مارس/آذار 2005 المؤتمر الذي أقامته في برلين منظمات ألمانية، حول الوضع في العراق في ظل الاحتلال. وعالج ثلاث محاور هامة هي" الاحتلال، المقاومة، التضامن ".. ووسط احتجاج جموع الحاضرين ورفضهم أساليب التهديد التي مارسها الطرف الثاني، وعدم اتباعهم لغة الحوار التي أكدت عليها إدارة الجلسات، اضطر البوليس للتدخل وإخراج المحتجين العراقيين، من أطراف دينية وكردية وشيوعيين وانتهازيين، مَن يرون في وجود قوات أجنبية وعلى وجه التحديد الأمريكية " صاحبة شرف التحرير" فوق أرض بلادهم خيراً لمسيرة العراق ومستقبله.
والجدير أن مكان المؤتمر وقبل أسبوع من تأريخ قيامه، قد تغيّر ثلاث مرات بسبب إلغاء عقود الإيجار، وفقاً لمعلومات تحذر من جدية انعقاده، تحت ذريعة أنه يدعو إلى تشجيع القيام بعمليات انتحارية في العراق، وأنه يشكل وسيلة دعائية مغرضة لبث روح الحقد والكراهية ضد أمريكا..وقد أعلنت اللجنة المنظمة للمؤتمر في بيان صحفي صدر قبل يوم من انعقاده جاء فيه أيضاً: أنه لمن المؤسف أن المعارضين للمؤتمر، قد حاولوا وبشتى الوسائل للحيلولة دون انعقاده. ولمنع إيصال الحقيقة والمعلومات بصورة موضوعية وواقعية للرأي العام، وكشف زيف الدعاية الأمريكية التي تنتهجها للتغطية على أساليبها اللاإنسانية في العراق، فأنهم مارسوا كل أنواع الكذب من أجل ذلك.. علماً من أن هذه التجمعات وفي مناسبات وأكثر من مكان ومنها هذا المؤتمر، قد وضحت موقفها من المقاومة والإرهاب، وأكدت شجبها للعمليات الانتحارية التي يروح ضحيتها الأبرياء من المواطنين العراقيين.
الندوة في حد ذاتها هامة من حيث المشاركة والمواضيع المتعلقة بالمجالات السياسية والعسكرية والقانون الدولي المعني بشؤون الاحتلال وممارساته،أيضاً،مبادئ حقوق الإنسان. ومن أهمها المداخلات الثلاث التي قدمها بروفيسور د. كريكور شيرمر خبير في القانون الدولي حول مفهوم "الحرب،الاحتلال،المقاومة" في العراق من وجهة نظر القانون الدولي، ومحاضرة بروفيسور د. ارنست فويت متخصص في فلسفة التاريخ وباحث سلام حول "الحرب العراقية" في السياق الدولي وأهداف الولايات المتحدة وحلفاؤها، أما السيد كلاوس شيرر من منظمة التحالف ضد الحروب، وخبير في الشؤون العسكرية فقد قدم استعراضاً هاماً حول "الدعم الألماني للحرب ضد العراق"..أعتقد كان على الطرف العراقي الذي يدافع عن استمرار وجود الاحتلال، الاستفادة من المعلومات في مثل هكذا أنشطة، على الأقل، على المستوى الفكري كي يستطيع معرفة رأي العالم الخارجي بما يجري في بلاده، ومن ثم فهم الواقع والملابسات غير المنتظرة وما يحيط بالعراق من مخاطر لا تحسب. قد تدمره وتجعل منه ساحة نزاعات عرقية وطائفية لا تحمد عقباها.. لكن وللأسف فأن مظاهر العداء وإلغاء الرأي الآخر، بسبب ممارسة بعض قيادات الأحزاب والحركات العراقية ثقافة الجهل، وتعميق مفردات الكراهية، أو بسبب تبسيط الأمور بما ينسجم ومصالحها الضيقة على حساب المجتمع برمته. أصبح هذا المنهج لاعتبارات طائفية أو شوفينية متطرفة، أو لاعتبارات إيديولوجية تصارع بين الماضي والحاضر دون جدوى، هو الفكر السائد لدى منتسبيها. ولم تعد مواقفها السياسية بأي حال من الأحوال تنسجم مع مبادئها وبرامجها لا على المستوى النظري، ولا على المستوى العملي على الإطلاق، حسبي أنهم يقعون تحت تأثير اضطراب فسيو- فكري، يستكين بالعراق نحو المجهول.
لقد بات الكل يدع انه هو الأكثر وطنية، واصبح لأسباب سياسية بحتة، شعار"من ليس مع الاحتلال" المحور الأساس الذي تستند إليه شرعية، من وطني أو لا وطني. وما يثير الاستغراب أن من كان بالأمس مع النظام بشكل وآخر، أو كان مستفيداً أو مرتبطاً بمصالح سياسية ومادية معه، أو لا علاقة له من قريب أو بعيد بالسياسة ولم يتأثر أو يتضرر من جرائها، ولم يكن يوماً ما نشطاً أو معارضاً سياسياً في أبسط المقاييس، أو حتى مشكوك في أصله العراقي. أصبح اليوم يجسد البطولة بكل معانيها الوطنية والأخلاقية، حد الدعوة تحت شعار عنصري" مليون أمريكي ولا تكريتي" في إشارة لاستباحة دم العراقيين الذين لا يتفقون معه الرأي لاسيما في القضايا المصيرية كالموقف من وحدة العراق والهيمنة الأجنبية ورفض الاحتلال.
أن صياغة الأمور بهذه الطريقة الديماغوغية لتعيد إلى الأذهان مفهوم" فاشية معادي الفاشية " الذي ساد المجتمع الأوروبي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما مارس معادو الفاشية للتغطية على ممارساتهم، أسوأ أساليب العنف والملاحقة بحق أعدائهم السياسيين وبشكل خاص داخل الحركة الشيوعية الواحدة. إلى درجة، فاقت، أساليب الاتهام والتصفيات في صفوف هذه الحركات أساليب الفاشية ذاتها.. يبقى في هكذا حال، وصل فيه الأمر تهديد المناوئين وتشريع الاحتلال بالدرجة التي توازي مفهوم حب الوطن. ما الفرق بين نظام فاشي ممارس كل وسائل القمع الفكري والجسدي بين أفراد المجتمع، وبين قوى عانت في ظله، لكنها أصبحت بعد سقوطه تمارس من أجل مصالح ضيقة، ذات الأساليب أو أسوأ منها ؟.
وإذا كان المشهد العراقي ولأسباب تتعلق بمسألة الصراع من أجل الامتيازات والمصالح العرقية والطائفية والقومية، يسير بهذا الاتجاه الخطير. ألا يكون من مصلحة جميع الأطراف تهدئة الأجواء وتطبيع العلاقات بين أفراد المجتمع العراقي. وألا من مصلحتها أيضاً أن تنظف صفوفها من المتطرفين والانتهازيين، المسيئين لفكرها ومنهجها ومصالحها، قبل الإساءة للعراق ومجتمعه. لاسيما في محافل يشارك فيها مثقفون وخبراء، ينظرون للأمم الأخرى والعراق منها، من زاوية موضوعية وعلمية تتناول تفكيك أهم جوانب وضعه المعقد بشكل يساعده على تخط العقبات نحو الأفضل، وعلى كل المستويات.. في اعتقادي بغض النظر عن جدوى وأهمية المشاركة العراقية في هذه الندوة، واستياء البعض من مشاركة عوني القلمجي إلى جانب الشيخ هادي الخالصي وسامي رمضاني. كان على المتخندقين في صفوف الحركات الكردية والإسلامية الشيعية والعولميون، احترام منهج الندوة والمحاضرين، وتفادي أي تصرف من شأنه أن يسيء للغة الحوار في مجتمع، قد يترك تصرفهم لديه انطباعاً وكأننا غير متحضرين بالمفهوم الذي لم يصل إليه بعد، الكثير من الذين لا تعنيهم ثقافة وحضارة بلدهم وبالتالي سمعة شعبهم.
لقد أبدى القائمون على تنظيم هذه الندوة ومنهم الأساتذة المحاضرون الألمان، تفهمهم لموقف العراقيين بسبب معاناتهم آنذاك من وطأة النظام السابق وعبروا عن موقفهم وامتعاضهم من أساليبه. لكنهم في نفس الوقت لم يتركوا الباب موصدا أمام توجيه النقد لمثل هكذا تصرف ضار، ينسحب على أطراف تدع أنها ضد الإرهاب لكنها تمارس الإرهاب في أسوأ أشكاله، ومنه الفكري والنفسي، على سبيل المثال لا الحصر"اتهام الآخرين بأنهم أما صداميون أو خونة..ولا نعرف من هو الخائن، الذي يسوغ للاحتلال ويدافع عنه؟.أم الذي يرفضه ويدافع عن الوطن وسيادته واستقلاله؟. أمر الحكم متروك للقارئ !!". واستغربوا لظاهرة الانفعال وتبسيط الأمور وبناء الأحكام غير المنطقية،التي يتمتع بها هؤلاء، بالقدر الذي لا يتلاءم مع مصلحة العراقيين ومستقبل وطنهم.
مواضيع كثيرة هامة تناولها المحاضرون الألمان حول الحرب والسلام، الاحتلال والقوانين الدولية، استراتيجية الدول الكبرى وأطماعها في العراق، مسألة وحدة العراق وسيادته الوطنية، دور حلف الأطلسي وموقفه من مسألة الحرب والسلم، الوضع الأمني والاقتصادي وحقوق الإنسان وغيرها من المواضيع. فيما دار بين الطرفين، العراقي عراقي، سجالاً مريراً مبعثه الجهل الفكري والسياسي، وأهم منهما المسؤولية التي بسبب عدم توفرها اشتد الاتهام بين الطرفين حد التخوين.
ففي الوقت الذي اكتفى فيه العراقيون الموالون للوجود الأمريكي، اتهام القلمجي بأنه كان عميلاً لنظام صدام، وأنه كان قد تقاضى منه أموالاً بالملايين، وحولوا الندوة إلى حد ما، إلى ساحة لتصفية الحسابات دون الولوج إلى مسرح مناقشة المحاضرين ومواجهة الحجة بالحجة، إن كانوا يتصورون بأنهم مخطئون وآرائهم لا تنسجم مع حقيقة الوضع في العراق. فأن القلمجي قد تمادى في تحليله المبسط والمتباين بطريقة ديماغوغية مشابهة لطريقة غوبلز التهريجية، كأنما كان يريد متعمداً، على الرغم من مفردات لهجته البائسة للتغطية على واقع الحال المرتبط بماضيه السياسي المتقلب، تصعيد حماسه الدرماتيكي ليحصل على رد فعل ممزوج بالهتاف والتصفيق ليس إلا، ولم يطرح أي موضوع يتناسب مع قضايا العراق الملحة بصورة علمية كي يستفيد المتلقي الألماني كما يستفيد المواطن العراقي الذي يخالفه الرأي على الإطلاق.
في كل الأحوال كشفت هذه الفعالية من جديد مدى تباين مواقف العراقيين من أهم المسائل التي تعني بلدهم في أخطر مرحلة من مراحل تاريخه المعاصر، كما وضعت علامات استفهام كبيرة أمام مستقبل العلاقات بينهم وعلى كافة الأصعدة. وأنه لمن المؤسف أن ينعكس مظهر التحدي بين أطراف النزاع إلى حالة من القناعة، بأن ما يجري بين العراقيين في الخارج ما هو إلا انعكاس لما يجري في الداخل من عدم اصطفاف وطني، يواجه الحدث بكل حيثياته، وأن المؤشر بين الواقع العملي والنظري متناقض إلى حد بعيد، مما يعط هذا الواقع بعداً خطيراً على مستقبل العراق ويعرضه إلى زلازل سياسية غير متوقعة.
فها هو الاحتلال ينهب خيرات البلد والحالة الاجتماعية والصحية والاقتصادية لسواد المواطنين تكاد أن تكون صفر. فيما الأمن غير مستقر والبطالة تتفاقم وتوزيع الامتيازات على المحسوبين والمنتفعين يشتد ويتعاظم، والفساد الإداري يتفشى بشكل كبير في كل المؤسسات وخارجها، وأصبح الكثيرون من استحوذوا على مناصب هامة منحتهم إياها أحزابهم ومنظماتهم، أثرياء، يملكون في وسط عواصم أوروبية مؤسسات وعقارات وعمارات ضخمة، ولا توجد دولة قانون ولا مؤسسات تحاسب الجاني وتضمن حق المواطن المظلوم. بيد أن الكثير من المواطنين والموظفين والإداريين الأبرياء يعانون من وطأة التمييز، كما حدث مؤخراً مع منتسبين الشرطة العراقية أثناء خروجهم بمظاهرة سلمية للمطالبة بحقوقهم المتعلقة بصرف رواتبهم المقطوعة منذ اشهر، حيث واجهوا الضرب والقمع والرصاص على يد الحرس الوطني وقوات الجيش. وفي الآونة الأخيرة يشاع بأن وزارة الداخلية تحتفظ داخل منشئاتها بسجون وغرف تعذيب، وأن صوراً كثيرة لحالات تعذيب المعتقلين قد سربت للخارج.. كل هذا يحدث في العراق بالتوازي مع نفوذ قوات الاحتلال، وفي ظل تعتيم إعلامي شامل وطمس للحقائق على يد أطراف عراقية،أيضاً، ولا من يسأل ويقول، خوفاً من المسائلة والابتزاز والتهديد أو القتل.