أفلام هادئة لكنها رفيعة المستوى الفني هي التي حازت على أهم جوائز مهرجان برلين العالمي
انتهى مؤخراً مهرجان برلين السينمائي العالمي Berlinale"من 10 وحتى 20 فبراير/ شباط 2005" الخامس والخمسون، ومنذ بدء الساعات الأولى لانتهاء أعماله اخذ الهدوء يسود ساحة بوتسدام الشهيرة التي استقبلته بحفاوة، بعد أن أغلقت أقسام المهرجان ومكاتبه وغادرها الضيوف والصحافيون والمراسلون وموزعو الأفلام ومنتجوها.
قبيل افتتاح المهرجان بأيام عقدت لجنته المنظمة، المتكونة من رئيس المهرجان ديتر كوسليك وعضوية السيدة فراوكه غراينر المتحدثة الصحافية باسمه، وفيلاند شبيك مسؤول أفلام البانوراما، هاينس هيلموت برنزلر عن أفلام رتروسبيكتيف - هوماج وكريستوف ترشتر عن أفلام فوروم، بيكي بروبست عن سوق الفيلم الأوروبي، هاينس بادفيتس عن السينما الألمانية، توماس هايلر عن مهرجان فيلم الأطفال، آلفريد هولغهاوزن آفاق الفيلم الألماني، كريستينا دورن عن أفلام المواهب الناشئة وغيرهم، مؤتمراً صحفياً. أشاروا فيه إلى أهمية العروض لهذا العام على جميع المستويات، ولاسيما المتنافسة على جوائز المسابقة، الدب الذهبي والدب الفضي "والدب هو رمز برلين". وفتح باب المشاركة واسعاً أمام دول أوروبا الغربية والشرقية، والتوجه بشكل معقول نحو مشاركة بلدان آسيا وأفريقيا ومنها النامية أيضاً.
أما الأفلام التي كان قد تم اختيارها لمهرجان هذا العام فهي 27 فيلماً من مجموع 20 دولة. 6 منها خارج المسابقة، فيما تنافس 21 فيلماً على الجوائز الرئيسية. جميعها خضعت إلى اختبار فني صارم، يخضع لقوانين وشروط المسابقات العالمية التي تنص عليها لوائح الاتحاد الدولي لمنتجي الأفلام "FIAPF" والاتحاد الدولي للسينما، إلا في حالات استثنائية قليلة محددة، تتعلق بطابع الإنتاج وتناظر الموضوع..الشروط هي أن تكون قد أنتجت خلال اثني عشر شهراً قبل المهرجان، وأن لا تكون قد عُرضت خارج البلد المنتج لها أصلاً، ولم تكن قد شاركت في مهرجان سينمائي عالمي آخر، ولا علاقة لشركات التلفزة العالمية أو القطرية أو المحلية بإنتاجها. لكن هذا الانسجام لم يعد في أغلب الأحيان قائما بسبب الهيمنة والتحّيز الذي تمارسه مؤسسات الإنتاج وفقا لمصالحها التي تتحكم بها المعايير السياسية والاقتصادية الدولية.
افتتح المهرجان بالفيلم "Man to Man " وهو إنتاج مشترك بريطاني فرنسي جنوب أفريقي، من أفلام المهرجان الرئيسية خارج المنافسة..فيما عرض على هامش المهرجان أو على صعيد الفروع الأخرى كالبانوراما والرتروسبكتيف والفوروم ومهرجان فيلم الأطفال والفيلم الوثائقي ديجيتال A/E والقصير، الكثير من الأفلام العالمية، المنتجة محلياً أو ذات الطابع الإنتاجي الأجنبي المشترك.
ركز برنامج المهرجان الرسمي على أفلام، تناولت مشاكل الناس وأمور المجتمع والفقر والصحة،أو أشياء من الإثارة الرومانسية والجنس المبالغ فيه أحياناً. كما عرج إلى الشأن السياسي، وحمل في أغلب عروضه موضوعات لا تخلو من الانفعال، كما هو الحال في الفيلم الفلسطيني لهاني أبو أسعد "الجنة الآن" وهو إنتاج هولندي آلماني فرنسي، استطاع المخرج أن يحقق هدفه ليصل إلى غايته السياسية بذكاء خارق. أما الفيلم الوثائقي "هوتيل راوندا" الذي تناول أساليب قتل جماعي في التسعينات بين أطراف النزاع "هوتوز وتوتسي" في راوندا، هو مثير للغاية وخطير، إنتاج "جنوب أفريقي أمريكي إيطالي بريطاني" مشترك، من إخراج تري جيورج. فيلم "المتهم" من إخراج الدنماركي ياكوب توسين، ميلودراما،رائع، بطله ترولز لبي، كاد يكون بعيداً عن الاصطناع أثناء أداء دوره في إطار حياة عائلية وضعها الاجتماعي غير معقد لكن بسبب تصرف الابنة يصبح درامياً.. كثيرة أفلام هذا العام التي تستحق الإشادة والتقييم كالفيلم الأمريكي "كينزي" من إخراج بيل كوندون، والفيلم الصيني "الطاووس" من إخراج كو شانكفاي، والياباني "الشمس" إخراج الكسندر سكوروف، أو الألماني " صوفي شول – اليوم الأخير" من إخراج مارس رتموند، وتقع أحداثه في عام 1943 حيث تدافع الفتاة صوفي عن نفسها أمام قاض كان مكلفاً بإصدار حكم الإعدام عليها بالموت قبل توجهه إلى دار المحكمة وصدور القرار، مشاهد سجال دراماتي، لا يخلو من انفعالات نفسية تنقلها لنا عدسة الكاميرا بطريقة فنية فيها كل أشكال التصوير وتوليفاته.
أفلام هادئة من ناحية المواضيع لكنها رفيعة المستوى الفني، تأليفاً وتصويراً وإخراجاً وتمثيل، هي التي حازت على أهم جوائز المهرجان.
مثل الفيلم جنوب أفريقي المتميز وشديد الإحساس" U-CARMEN " من إخراج مارك دونفورد ماي وبطولة باولينه مالفن وآندل كوزي، حاز على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم. شكل حدثاً درامياً، لا يتوقف. انتهت حياة كارمن فيه بطريقة تختلف عن مأثرة كارمن التي عرفناها بشكل وآخر كما في الفيلم الأمريكي أو الفرنسي أو الأسباني، مع اختلاف المكان والزمان والسرد الروائي للحدث وأسلوب تناوله. كارمن الأفريقي يأتي مشاكساً مختلفاً في سياقات رموزه الإبداعية، حتى اختيار أبطاله كان متميزاً، غير معني بالشكل والمظهر والحجم، كما لو كان هكذا يريد كل طاقم الفيلم، فناً، يعبر عن ذاته بانسجام مفرط، كما شاء أسلوب كتابة السيناريو ذلك بصدق.أما الفيلم الصيني الطاووس"KONG QUE" من إخراج المصور كو شانكفاي وبطولة فينك لي وتسانك يونكشو ولو يولاي، فقد حصل على جائزة الدب الفضي، لأهميته على المستوى الإنساني والفني وإثارته المتناوبة بالمفاجئات النفسية والاجتماعية.
الفيلم الألماني اليوم الأخير" DIE LETZTEN TAG " حصل على جائزة الدب الفضي لأفضل إخراج، وحصلت بطلته الفنانة " Julia Jentsch " لدورها صوفي شول، على جائزة الدب الفضي لأفضل ممثلة.. جائزة الدب الفضي لأفضل ممثل، كان من نصيب الامريكي ليو تايلور بوجي على دوره في فيلم THUMBSUCKER من إخراج مايك مايلس Mike Mills .
وحاز فيلمThe Wayward Cloud وهو انتاج تيواني صيني فرنسي مشترك، على جائزة الدب الفضي لأفضل تحد فني، ثار جدلاً واسعاً بين المشاهدين والنقاد..أما جائزة الدب الفضي لأفضل موسيقى فيلم، كانت من نصيب الموسيقار Alexandre Desplat للفيلم الفرنسيDE BATTRE MON CŒUR S’EST ARRETE بطولة روميان دوريس.. الجدير أن الفيلم الفلسطيني"الجنة الآن" PARADISE NOW من إخراج هاني أبو أسعد قد ألقى هو الآخر بظلاله على المهرجان، ووجد تناغماً نقدياً إيجابياً على واجهات الصحافة الألمانية والأجنبية، وفرت له فرصة الموافقة على عرضه داخل إسرائيل على الرغم من تناوله معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال بشكل واضح. واستطاع أن يحصد ثلاث جوائز هامة، جائزة منظمة العفو الدولية، وجائزة قراء صحيفة مورغن بوست، وجائزة AGICOA-Preis "الملاك الأزرق" وقيمتها 25 ألف يورو، وهي أعلى جائزة نقدية تقدم في مهرجان البرليناله.
تميز مهرجان هذا العام بمشاركة أفريقية قوية، واحتلت آسيا الموقع الأول. وكانت أغلب الأفلام إنتاج مشترك، كان لفرنسا وألمانيا وهولندا المرتبة الأولى، وشاركت إسرائيل في الفوروم والبانوراما والأطفال والسوق بكثافة. أفلام ديجيتال انتاج سينمائي تلفزيوني كان حاضراً بشكل متميّز.
تمكن المشاهد الأوروبي من جديد،وبشكل خاص جمهور برلين من متابعة المهرجان بشكل مفصل عبر وسائل الإعلام والمؤتمرات الصحفية، ومن على محطات التلفزة المحلية والعالمية أيضاً. كما شاهد على مستوى أربعة شبكات تلفزيونية ألمانية، منها البرنامج الأول وتلفزيون براندنبورك وبرلين وهسن، أفلام المهرجان المتنافسة على الجوائز، وأفلام البانوراما والمقابلات مع نجوم السينما وما يجري من أحداث سينمائية خلال أيام المهرجان على مدى مرتين في اليوم، وفي آخر الليل بشكل مفصل، بالإضافة إلى العرض العالمي المشترك" Digital " الذي قامت به مؤسسة ICC الإعلامية وعلى الانترنيت أيضاً.
تحدث المهتمون بأن مهرجان الفيلم لهذا العام كان منسجماً تماما مع طموحات اللجنة، حيث أنها وضعت رؤية واعتبارات فنية وثقافية وفكرية وحضارية،متوازنة، تربط بين الجانب التقني والحرفي في منهج العرض والتلقي بشكل ملموس، كما ركزت على أسلوب التجديد والموضوعية، واستطاعت من خلال حسن اختيار الأفلام تحقيق انتصار فني وإعلامي مرموق. بيد أن اللجنة لم تجد كما وعدت، سبيلاً، لأن تتفاعل مع طموحات ورغبات مبدعي البلدان النامية والعربية على وجه الخصوص، بل تجاهلت كما في كل مرة أهمية مشاركة العالم العربي، على الرغم من النمو الفني والتقني الهائل الذي تجاوزه المبدعون العرب في إطار السينما وما يحملونه من خبرات ومواصفات موضوعية وإبداعية مثيرة للغاية.
عموما دخل مهرجان برلين السينمائي العالمي، عصراً جديداً ينسجم فنياً مع المبادئ الإنسانية وتأثيرها على أهمية ترابط المصالح ورفض أسلوب القطيعة الثقافية. بل أصبح مهتماً بطرح المفاهيم المتكافئة حضارياً لأجل إنماء العوامل الذهنية والجمالية التي يفرزها حب استقلالية الرأي الذي تحدده هوية ومصالح الشعوب بشكل مألوف، دوافع انتماء جيواجتماعي ـ ثقافي يقود إلى تساؤلات حادة، تعني الإنسان، حياته ووجوده، اقتصادياً وسياسياً.
أن العوامل السياسية على سعتها يجب أن لا تقود إلى الوصاية على الشعوب وتغيير مسار حياتها بالقوة تحت ذريعة ضرورة التغيير حتى بوسائل الضغط والإكراه. بيد ينبغي المواءمة بين التجانس الحضاري للمجتمعات والتنسيق اللغوي فيما بينها عبر مصادر الإبداع والثقافة في كل أشكالها الجمالية والحسية، هذا ما أراد أن يعبر عنه مهرجان برلين السينمائي لهذا العام، من خلال عروضه العالمية المتجانسة فنياً وحضارياً.
برلين / عـصـام الـيـاســــري
2005.2.21

ساحة بوتسدام حيث يقام المهرجان