في ظل دولة ما بعد الانتخابات بأي اتجاه يسير العراق

 

عصام الياسـري/ برلين

 

 

ما أن طأطأ الحسين(ع) بقدميه أرض الرافدين حتى أخذ القلق يساوره، وأحس بما سيواجهه من مصائب مقبلة، وما سيعانيه أتباعه وأفراد عائلته ومناصريه. لكنه لم يعبأ بتوارد الأخبار التي حذرته من مغبة مخاطر تنتظره، وتطالبه بأن يعود حيث أتى وأن يتق شر من احسن إليهم. وقيل له يا ابن رسول الله "لا تصدق خروج العراقيين قاصدين بيعتك جماعاً، فوالله فأن قلوبهم معك وسيوفهم ضدك" فعد إلى دارك وتجنب ما يمكن تجنبه.. لكن هيهات فأن الحسين بقى عند عهده وفياً لمبادئه وإيمانه، فوقعت الواقعة دون شفاعة، وسقط شهيداً ثائراً، مناصراً للحق ضد الباطل، وهاهو العراق اليوم يسقط من جديد على يد أبنائه بدافع الامتيازات وحب السلطة والجاه.

وبعد مرور أكثر من أربعة عشر قرناً على ملحمة الحسين واستشهاده مع أفراد عائلته واتباعه الجلل، ممن بقوا معه أوفياء له ولنهجه. يعيد التأريخ نفسه بصورة يكاد شبيهاً بتراجيديا ذاك العصر. بيد أن المجزرة وما بعدها من أحداث دموية، خلفها تأريخ العراق، لم تعد درساً يوقظ عقل العراقيين باتجاه نبذ النفاق السياسي والعنف الذي لا زال سائداً إلى يومنا. ومنذ سقوط النظام في أيار2003 ووصول أطراف عراقية للسلطة على يد قوى أجنبية في ظروف غامضة، لا زال الصراع قائماً على كل المستويات لأجل مصالح ضيقة لا تنسجم قطعاً مع واقع العراق في ظل الاحتلال والهيمنة الأجنبية، وبعيداً عن تبن مشروع وطني استراتيجي يحقق مصالح المجتمع العراقي ويضمن سيادة وكيان الوطن. وبالتالي فان الشعارات التي يطلقها رموز الحركات المستفيدة تحت ذرائع عقائدية وأيديولوجية وقومية شوفينيه،حبيسة فكر زائف ومتناقض لاعتبارات خاصة، تعيد إلى الذاكرة فصول المشهد الذي أسدل الستار عليه بقسوة قبل مئات السنين. لهذا السبب ورغم مرور أكثر من ستة أسابيع على الانتخابات، لا زال التجاذب بين الفرقاء يتراوح في مكانه للبحث عن مخرج مناسب لتشكيل الحكومة، وحل أزمة المناصب ومنها الوزارات السيادية، وغيرها من الأمور الحساسة العالقة كمسألة كركوك وتقاسم الموارد .

لقد اقترب تاريخ احتلال العراق ووجود القوات الأجنبية على أراضيه من العامين، وأكثر من عام ونيف على تعاقب سلطتين عراقيتين غير شرعيتين وفقاً للمفهوم القانوني العام. ولا زال السعي جاري لتشكيل نمط ثالث، يبشر القائمون عليه من أن تكون حكومة ذات سيادة كالعراق، غير أن ذلك لا يتعدى إلا التمني. لأن واقع الحال يؤكد بأن معظم السياسيين العراقيين الجدد ومن أغلب الأحزاب، غير قادرين على تحرير أنفسهم من براثن الإدارة الأجنبية "مجبر أخاك لا بطل" أنهم يدركون الحقيقة لكنهم يتجاهلونها..أما الحقيقة الأخرى الأكثر أهمية، هي أن هذه القوى التي استعانت لأجل مصالحها بالخارج، قادت إلى أن يخسر العراقيون الداخل"وطنهم" ولا يكسبوا الخارج. ونقلوا الوضع من" أزمة نظام إلى أزمة كيان" حتى الحرية التي تأتي على لسانهم لفظاً لا طعم فيه، يبدو أصبحت رأس الحربة التي يعلقون عليها الشماعة للتظليل وإخفاء الحقائق التي ترتكز عليها أسباب عدم توفر الأمن والاستقرار وتعاظم سوء الوضع الاقتصادي وازدياد البطالة وتفاقم الفساد الإداري والاندفاع البالغ نحو توزيع المناصب والأموال والأملاك والامتيازات على المحسوبين والموالين، وتعزيز الطائفية وانتشار الجريمة السياسية المنظمة.

وما يثير الغرابة، أن بعض القيادات ومنذ سقوط النظام السابق، كلما واجهت أزمة سياسية حادة دفعت بالمراجع الدينية للتدخل بثقلها لحل الأزمة لصالحها، مما يعط انطباعاً سيئاً أقرب ما يكون إلى حاجتهم الحصول على شهادة حسن السلوك تأهلهم، ولا ننسى أن العراقيين عموماً والشيعة بوجه خاص ملتزمون تجاه رأي وفتوى المراجع الدينية، السبب الذي رجح كفة البعض في الانتخابات على غيرهم. علماً وأن المرجعية بشخص السيستاني قد أصدرت فتوى لفصل الدين عن الدولة وعدم إقحامه بالسياسة، مما جعل البعض يشكك بالادعاء من أن المرجعية تبارك هذا الطرف أو ذاك، مثلما حدث في مسألة الانتخابات وبخصوص "الجعفري" المرشح لرئاسة الوزارة. لكن المرجعية ومنذ الأيام الأولى لغزو العراق أصدرت فتاوى هامة أخرى لم تلق لدى المعنيين أذناً صاغيه. تتعلق بالتعداد السكاني والدستور والانتخابات وإعادة ممتلكات الدولة وتحقيق الاستقلال الوطني الذي ينشأ على أطر السيادة الثلاث، الحصرية والشمولية والذاتية، التي يفتقر إليها العراق الآن وفي أبسط مؤسساته التشريعية والقضائية.         

أين هي إذن الحرية والديمقراطية والعدالة الموعودة التي يتباهى بها البعض وينظر لها بعين الرأفة الأيدلوجية والدينية، حتى ننخرط خلفها، وكيف لها أن تؤسس وهي تفتقد أبسط مقوماتها الحضارية وأهمها العنصر البشري غير المتوفر أصلاً، لا في السياسة ولا على مستوى القيادات والأفراد أو الأحزاب والتجمعات. حتى الوسط الثقافي يكاد يكون معدوماً، وقد أضأل دور المثقف في مجال التوعية وأعمار العقل العراقي، في الوقت الذي اشتد ساعده لأسباب اقتضتها مصالحه المادية والركض وراء المناصب إلى إلغاء الرأي الآخر، وتحول مفهوم" المثقف ينتج السياسي" إلى المفهوم الدارج " السياسي ينتج المثقف" وأصبح أداة قمع فكري إذا لم يكن قد أصبح وسيلة إرهاب جسدي تحت شعار من ليس معي فهو ضدي، عليه أن ينال العقاب. وبالمناسبة فأن أي قمع للرأي يندرج وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، ضمن أساليب التعذيب التقليدية، وأحيانا هو أخطر على الإنسان من التعذيب نفسه، لاسيما على الجهاز العصبي شديد الانفعالات النفسية التي لا يمكن إزالة آثارها بسهولة.

يريد أصحاب الامتيازات والجاه الجدد، القائمون على السلطة في ظل الاحتلال ودعمه، إقناعنا بان المجتمع العراقي قائم على تعددية طبقية ومذهبية تتعايش فيما بينها بوئام. بيد أن الأمر لا يتعدى وصفأ مبسطاً بطريقة ديماغوغية، يحاول رجال السياسة العراقيون من خلاله تكريس الاحتلال وتسويقه. لكنهم بقصد أو دون قصد قد أطاحوا بتركيبة المجتمع العراقي وافسدوا العلاقات الاجتماعية والطبقية والثقافية، وجعلوا المجتمع منقسماً إلى"أمتان" كما يسميها ماركس وهو بصدد تركيبة المجتمع الإنكليزي في نهاية القرن التاسع عشر، وعلى النحو ذاته تصاعدت وتيرة الانقسام الطائفي والقومي بين أفراد المجتمع العراقي وهو ما كان غير معهود سابقاً.

وبسبب تغيّر طبيعة وشكل العلاقات أصبح يعيش في العراق "مجتمعان" متناقضان. مجتمع غني حديث العهد، ومجتمع فقير مسحوق اقتصادياً وسياسياً وثقافياً أيضا.والسؤال المطروح ألا يتناقض هذا كله مع مبادئ أصحاب الفكر المتنور كالشيوعيين والعلمانيين، أو أصحاب النهج الإسلامي ولا سيما قيادات الطائفة الشيعية التي تدع أنها ترفض الظلم؟. وإذ كان وزير المالية الفرنسي قد قدم استقالته بسبب انكشاف تأجير شقته للدولة. كيف يفسر قادة الأحزاب والحركات والقوى، سرقتهم ممتلكات الشعب والدولة بما فيها القصور والعقارات والأموال، فيما يعيش سواد الشعب في فقر مدقع. 

إن ما يحدث في العراق لم يأت محض صدفة، إنما كل شيء كان يحاك سراً وبمباركة وتبشير بعض القوى العراقية التي لأجل مصالحها دعمت المشروع الاستعماري لغزو العراق. وهو بداية الطريق لتحقيق مشروع الشرق أوسطي وضمان أمن إسرائيل، الذي بدوره أهم بكثير من مصالح الأمة العراقية من وجهة نظر الاحتلال والموالون له. لكن هل من المعقول بمكان أن تأتي قوات بهذا التعداد والقوة العسكرية والبشرية والمادية، لتقول لعلاوي والجلبي والحكيم وطلباني وبرزاني وحميد موسى والباجه جي والجعفري، والسيستاني أيضاً، تفضلوا هذا بلدكم لقد حررناه لكم فخذوه، أننا ذاهبون ونشكركم على حسن اللياقة. على هؤلاء السادة أن يدركوا أن ما حدث لا يمكن إصلاحه، وان الهيمنة الأجنبية المطلقة على كافة القيم والأنماط العراقية ستؤثر سيكولوجياً على العلاقات الاجتماعية والبنيوية، وتغدو وسيلة لترويج الاضطرابات وتدهور الأوضاع في العراق والمنطقة.

ويبقى هل من السذاجة بمكان أن يصدق المغرمون بالحكم "الجدد" عدم وجود سينورهات معدة سلفاً لدى قوات الاحتلال، تضع العراق أمام مفترق طرق، طالما سعى إلى نهشه قوى إقليمية وأصولية وإرهابية، ومفسدون لا هم لهم إلا مصالحهم التي يعتبرونها أقدس من مصالح كل الأمة العراقية. ونظر الأكراد إليه من زوايا مختلفة لا لها علاقة بحق تقرير المصير أو الفيدرالية، بقدر ما لها علاقة بمسألة الربح والخسارة من منظار شوفيني بحت، طمعاً باستنزاف موارد العراق واجتزاء مناطق من كيانه الجغرافي، والتمتع مدى تسمح الظروف بحكم على مستوى الحكومة المركزية وفي إقليم كردستان. يبقى هل يستطيع الأكراد رغم تباين الأوضاع والمواقف وأساليب الصراع تمرير مشاريعهم بسهولة؟، وهناك أكثر من مليون ونصف كردي عراقي يعيشون ويعملون ويملكون في بغداد وغيرها من مدن الوسط والجنوب. أعتقد أنها مسألة إن اشتدت وشائجها سيعزف ناقوس الخطر عند عتباتها، وعلى الأكراد أن يفكروا قبل فوات الأوان، وأن يقللوا من تهديداتهم التي صعدت بين الأوساط العراقية حدة العداء لهم بشكل واضح، حيث أن الأغلبية منهم يرفضون مطالب الأكراد بالشكل الشوفيني المطروح.

هاهي الانتخابات انتهت وفاز بقصب السبق من فاز، لكن السؤال المطروح، على الجميع، الداعين لها والمعارضون، الملتزمون والمستقلون والصامتون. أين وكيف ستكون استحقاقاتها؟ وما هي الخطوات اللاحقة للضغط على صمام البارود الذي أعده الاحتلال لضمان بقاءه في العراق، كي لا ينفجر الوضع باتجاه حرب أهلية حامية الوطيس. تصوري المهمة صعبة وخطيرة ولا يدرك الجميع أبعادها على المنطقة برمتها..على الأطراف كلها، الإسلامي الشيعي والكردي والعلماني العربي، من هم في المرتبة المتقدمة في نتائج الانتخابات، باعتبارها القوى الهامة صاحبة قرار الفصل، تقع المهمة الأساسية والتاريخية إن كانت صادقة النوايا إزاء العراق وشعبه دون تمييز، لحل جميع المعضلات التي تواجه مستقبل المجتمع العراقي برمته.

وإذا كان العراقيون قد بايعوا الحسين ودعوه إلى العراق والياً عليهم، ليحكم بالعدل والمساواة، وأن قرارهم آنذاك كان فصلاً من فصول المواقف الانتهازية التي تكظم في الفؤاد كآبة وهماً. صدر بشكل عفوي لا يخلو من أسباب وتداعيات سياسية متناقضة قائمة على الولاءات والمصالح التي أفرزتها ظروف تلك المرحلة، وصلت حد الخيانة، بعيداً عن الاعتبارات المذهبية والإنسانية. فأن على العراقيين اليوم من ناحية الجوهر السياسي الميداني وعلاقة الدولة بالمجتمع والفرد، تقع مهمة التغيير بكل الاتجاهات لتصحيح الموقف برمته في العراق، كي يكون مختلفاً عما كان يصاغ في ذلك العصر وما تلاه من احتدامات وصراعات، أقحم الدين، في مطباتها وبكل الوسائل ومنها الكذب والنفاق والتلفيق السياسي، لأجل التربع على السلطة على حساب المجتمع والوطن.

 

عصام الياسري / برلين