المسؤولية التاريخية بين الطائفية والوطنية

 

بعد الأنحدارات المتدرجة والاخذة بالعمق في مضمار السياسة الوطنية والقومية لأحزاب وجماعات وعناصر كانت ولزمن طويل تدعي تعبيرها عن الشعب وفئاته المختلفة وكذلك إدعائها بالحرص على مصالح الوطن ، أخذت تداعيات سياساتها وهشاشة طروحاتها ومحاولات التظليل الساذجة تجد تعبيرها في ممارسات صبيانية غير مسؤولة أطارها العام الأنتهازية والمصالح الحزبية والفئوية الضيقة ، أن هذه  الممارسات أكدت الكثير من التحليلات والتحذيرات بشأن هذه الاحزاب والجماعات والعناصرمن أنها ستصل إلى سياسة الحضيض وستمارس وتستخدم أبخس الوسائل للحفاظ على الدور السلطوي الثانوي الذي تمارسه في الساحة العراقية .

أن هذه الأنحدارات جاءت بالترافق مع أتساع الموقف الشعبي الرافض للاحتلال ومريديه وبالترافق مع الظهور الجلي والمؤثرلعمليات المقاومة المسلحة ضد الأحتلال ووجوده وبنفس الوقت بروز تيارات وأحزاب فتية بدأت تؤكد وجودها وعمقها الوطني في الشارع السياسي العراقي وتساهم في كشف الممارسات والنتائج الكارثية لسياسات تلك الجماعات وداعمها ألأساسي  ، لذلك أدركت هذه الجماعات وألأحزاب ضعف وجودها وعمقها الشعبي وبنفس الوقت هي مدركة وواعية بأن أستمرارها في (الحكم) مرهون بالمحتل ووجوده وأن بقاء هذا المحتل ونجاح مشروعه ألانكلوأمريكي أصبح موضع تساءل ومسألة وقت  رغم الته العسكرية الهائلة ورغم ما شرع من قوانين تكبيلية وبما فرضه من قرارات أممية في محاولة لشرعنة ما يقوم به في العراق خاصة  بعد الخسائر العسكرية الكبيرة التي منية بها والاندحار السياسي لكل طروحات التحرير والديمقراطية والأزدهار الموعود والذي يعني أكثر من 50% من العاطلين عن العمل والتدمير المقصود للبنى التحتية وعمليات الخصصة العشوائية والتي هي ليس إلا عمليات سرقة لأموال الشعب من قبل المتنفذين أضافة إلى ربط الاقتصاد العراقي بسياسات صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية كشرط لألغاء 80% من الديون العراقية وذلك عبرأصلاح الأقتصاد العراقي وفق خطة أنفتاح شامل مما ستزيد من عدد العاطلين عن العمل وترهن ثرواتنا للأحكتارات ألأمريكية  ،  لقد أصبح الأحتلال مؤلمآ لشعبنا حيث يقتل العشرات يوميآ بأيدي الجنود ألأمريكين أو بأيدي أجهزة القتل وألأرهاب المنتشرة في أنحاء العراق .

لقد حاول المحتل أنتزاع وفرض الدعم الأقليمي والدولي لتثبيت أركان حلفاءه في أدارة دفة السلطة مستقبلآ بعد "الأنتخابات" والمعروفة النتائج سلفآ والتي حاول أعطاء هذه العملية "الأنتخابات" بعدها السياسي والمستقبلي وأضفاء الشرعية المسبقة لنتائجها من خلال مؤتمر شرم الشيخ والذي رفض خلاله حتى ألأستماع إلى بعض اراء المعارضة العراقية بحجة أن المؤتمر هو لممثلي الحكومات ... ، رغم الأدراك الكامل لواضعي السياسة الأمريكية وشبكة مخابراتهم ومريديهم في العراق بأن هذه المهزلة المسماة " ألأنتخابات " ستساهم في أحداث إصطفاف مناطقي فقد أعدوا العدة لتثبيته وتعميقه ليأخذ بعدآ طائفيآ وليحدث شرخآ في عراقية العراقي وليهز مفهوم الوطن وليخلخل الأنتماء الوطني وليختصره بالمنطقة ومن ثم بالطائفة ، ولكي تصدح هذه النغمة الشاذة وصداها يصل مداه يجري الضرب والعزف على هذا الوترمن قبل الدوائر والشبكات المشبوه والمرتزقة المحليين والمكلفين بالمهمات القذرة من قتل وأغتيا ل وسيارات مفخخة وذلك للتأليب وشحن النفوس وتهيئة الأجواء للخطاب السياسي المحلي لبعض القيادات لهذه ألأحزاب والجماعات لتأطر هذه الأحداث وتنسب ما يحدث لهذه الطائفة أو تلك أو هذه المجموعة أو تلك من هذه الطائفة وبالتالي لتعطي ما يجري بعده الطائفي المناطقي من خلال عملية تظليل في محاولة لأستغباء عقول العراقيين يدعمهم في ذلك كم هائل من وسائل الدعاية والتحريض والكثير من الأقلام الصفراء المدفوعة الأجر .

لقد أكدت العديد من المؤشرات على بدايات فشل المشروع الأمريكي في العراق ، أن هذه البدايات تتجلى بالوضع الميداني العسكري بالرغم من التعتيم الاعلامي والتي أكدتها الكثير من تصريحات جنرالات الجيش الأمريكي على ما بدأ يعانيه هذا الجيش من خسائر كبيرة في العدة والعدد والصعوبات اللوجستية وبالمقابل تطور أساليب المقاومة وطبيعة ستراتيجيتها العسكرية حيث ذكر الجنرال أندرو ميل امر الفيلق الأول يوم 20/12 عن حرب الفلوجة(ربما هي أستثناء في أنواع الحروب ولكنها ستبقى درسآ لنا ونقطة تحول...) وكذلك قال الجنرال ستيفن سبيك ( أننا نواجه عدوآ متطورآ ....) وبنفس الوقت أشار العديد من المحللين الغربيين الى المأزق الأمريكى حيث ذكر جيمس دونيس وهو مدير سياسات الدفاع والامن الدولي بمركز راند للدراسات الاستراتجية الى ان (أدارة الرئيس بوش خسرت الحرب في العراق) ، أما التقرير الذي قدمه رئيس دائرة المخابرات الامريكية فكان تشاؤميآ وذكر فيه ان قواتنا فشلت في هزيمة المقاتلين ، ورغم أهمية هذا المفصل ومشروعيته في أفشال مشروع الأحتلال ألا أنه لاغنى عن حركة شعبية سياسية تساهم بشكل حاسم في افشال هذا المشروع الذي في الأساس يتناقض مع المصالح الوطنية للشعب العراقي في التحرر والديمقراطية السياسية والاجتماعية  والبناء  وهي مصالح كل مكونات الشعب العراقي من عرب واكراد وتركمان وأقليات اخرى ، أن بروز حركة شعبية واسعة منظمة هي مسؤولية الاحزاب الوطنية الناشئة والمراجع الدينية الوطنية من كل الطوائف مع النخب الاجتماعية والعشائرية ورجال العلم والأدب وكل المثقفين الوطنيين .

أن الفشل السياسي والأندحار التام لطروحات التحرير والديمقراطية والأزدهار كما أشرت سابقآ أنعكس بشكل عميق على حلفاء هذا المشروع وحلفاء الوجود الأمريكي من الأحزاب والتجمعات والعناصر العراقية والتي أرعبها هذا الأهتزاز وأدركت أن سقوط هذا المشروع  يعني بالتالي فقدانها لكل ما حصلت عليه من أمتيازات حزبية وشخصية ومواقع سلطوية أهلتها لأن تؤثر على فئات شعبية ليست بالقليلة بأستخدام نفس أساليب النظام الديكتاتوري  ، لذا لجأت وسخرت كل ما تملك وبالتعاون والتنسيق مع المحتل لنشر الضبابية والتشويش وخلط الأوراق على ما يجري  من أحداث داخلية من قتل يومي لأبناء شعبنا وأغتيال نخبه العلمية وقتل علماء الدين وهدم المدن ، وكذلك قضية الأنتخابات والمواقف منها حيث أصبح جليآ ما هو المطلوب من هكذا حدث "الأنتخابات" رغم  أنها جزئية ثانوية في مواجهة المفصل الأساسي للقضية العراقية ألا وهي قضية الأحتلال وافتقاد العراق لأستقلاله وسيادته وبالتالي أمسى الوطن مباحآ ومستباحآ من قبل الأحتكارات الشرهة وشركات القتل والأرتزاق ولصوص السياسة ..، ..أن هذه الجماعات والاحزاب تفقه وتعلم جيدآ أن طريق الديمقراطية لا يمر عبر أنتخابات قد هيأ لها ( بريمر) بهيئة عينها بنفسه وسميت زورآ " مفوضية الأمم المتحدة لللأنتخابات في العراق " ومن عناصر غير معروفة وبنظام أنتخابي فصل على مقاس هذه الأحزاب والتجمعات وفئات واسعة ترفض هكذا تزوير للأرادة الشعبية ومحافظات بكاملها أعلنت ودعت إلى عدم المشاركة في هكذا (عرس أنتخابي) يجري الأعداد والتهيأ له بالقتل وتدمير المدن وشراء الذمم والأصوات ..... أن الأصرار الأمريكي البريطاني ومريديه في العراق على أجراء هذه المهزلة الأنتخابية هو ليس صراع ألأرادات كما يحاول بوش وحلفاءه تسويقه  ، أنما هو لأنقاذ المشروع الأمريكي عبر تثبيت التشتت المناطقي وأضفاء صفة الطائفية على  (التمرد) كما يدعون ...ومن هنا ولكي يشق هذا المشروع طريقه وبأقل الخسائر العسكرية والأقتصادية أصبح لابد من تفكيك العراق حتى وأن يكن تحت أسم (دولة العراق) على أساس مناطقي طائفي وعرقي وبالتالي أقامة (المجتمعات المدنية الذاتية ) كما قال جي غارنر الحاكم المدني السابق للعراق وهنا مكمن الخطر بتفكيك الوطن العراقي تحت مسميات عديدة ، ومع الأسف فأن بعض القوي الوطنية لم تفق ولم تلامس مكمن الخطر هذا وبالتالي لم تعي حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها وما يتطلبه ذلك من مواقف طنية واضحة تستند وتنحاز الى مصالح الشعب العراقي ومشروعه في التحرر والديمقراطية والبناء .

أن نهوض حركة شعبية واسعة هي مسؤولية الأحزاب الوطنية الناشئة ، مسؤولية المرجعيات الدينية الوطنية والتي تلعب دورآ متميزآ في هذه المرحلة بالذات بتشذيب خطابها الديني والسياسي ذي التوجه الوطني ،أنها مسؤولية النخب الأجتماعية والتجمعات العشائرية والنقابات المهنية وأصحاب الأقلام الغيورة على وطنها ، أنها مسؤولية المقاومة المسلحة لما لها من دور متميز في أن يصل المحتل الى القناعة اللازمة بخروجه من العراق عبر تشديد وتكثيف ضرب الحتلال وقواته مع الحذر كل الحذرمن الأنزلاق الى اعمال وممارسات فردية أو فئوية تصب في تكثيف الطروحات الطائفية ، لذلك فالأهمية القصوى للمقاومة المسلحة هي ضبط أيقاع نضالها العسكري والأعلامي بما يتناغم مع جميع القوى الشعبية والدينية في تحمل المسؤولية الوطنية والتاريخية في أفشال المشروع الصهيوامريكي في العراق.

أبو دلير /السويد