شيئ من الذاكره عن الراحل الشاعر حسين الحسيني

لست هنا بصدد رثاء الراحل الصديق الشاعر حسين الحسيني.لقد سبقني الى ذلك الكثير من الاصدقاء وفي مقدمتهم شاعرنا الكبير سعدي يوسف ..وانما للتذكر والتذكير بايام بالحسيني كي لايطويها النسيان.
كان المكان يغص بالناس من مختلف الاعمار والثقافات والمناطق. ساحه كبيره تحيط بها بنايات اشبه بثكنات الجيش.

بطانيات نوم معلقه, ملابس غسيل منشوره على حبال تكاد تلامس الارض. جدران رماديه وسخه وغرف وقاعات بشبابيك ونوافذ صغيره بالكاد يتسرب منها الضوء .بينما امتلات الساحه باناس يتجولون بدون هدى افرادا وجماعات وهم يتداولون الاحاديث فيما بينهم باصوات خافته.لقد بدى لي المكان اقرب لسفينه عملاقه من تلك التي اعتدنا رؤيتها في افلام هوليوود وهي تنقل المنفيين الى بقاع بعيده.
وبعض الذين كانوا يتجولون هناك كانوا يعانون صعوبة وهم يتجولون فتبرع رفاق لهم باسنادهم لاستكمال المشاوير من حائط الى آخر على جانبي الساحه بصوره توحي بان الهدف هو تآهيلهم ثانيه على السير.
عندما فتح الباب الرئيسي الوحيد والمتكون من قضبان حديديه لفت بالاسلاك الشائكه، رمى بي الحراس الى الداخل واغلقوا الباب بعنف، تطلع الجميع نحوي وتوجه بعضهم باتجاهي بغيه تقديم يد المساعده. كانت اقدامي متورمة مثل كثيرين هناك واستطعت بمساعده شاب لاصل الى احدى الغرف لاستريح. بينما تحلق حولي اشخاص يسالونني عن اسمي وقضيتي لابدافع الفضول وانما كي يرتبوا لي مكانا بينهم كما هي العاده في المعتقلات.
ـ ابو علي ! رتب مكانا للزميل . وجاء نفس الشخص الذي ساعدني للوصول الى الغرفه.
ـ حسين الحسيني.هو اسمي .قال لي.وعرفت منه انه يكتب الشعر ومتهم بالانتماء لحزب سري.
ـ سري للغايه! قلت له مداعبا وربما ساخرا وانا اشير بيدي الى العدد الهائل الذي غص به المكان. وابتسم ابتسامه مره ولم يعقب.حدثني عن مجريات التحقيق معه والتعذيب الذي تعرض له.
لاادري كيف تطورت صداقتنا. ربما لانه كان موضع ثقه من الغالبيه ومشروع صداقه ونشر ثقافه انسانيه تضامنيه قائمه على البساطه وعدم التكلف في مكان يعج بالبرجوازين الصغار الادعياء المتخمين بالتعالي والعنجهيه والغرور.
كان بمستوى الامانه والصمود امام المحققين.لكنه لم يتاجر بمواقفه . ولم يزايد ابدا، وبقى طوع احلامه وابن عالمه المتخيل لديه حيث اعتقد ذات يوم ان الابحار اليه يتم عبر تلك السفينه السريه التي حملته كما حملت لصوص ومخبرين وشهداء.
كان معتقل الفضيليه مقسوما الى قسمين وقاطعين توزع عليه سجناء من حزب مقسوم هو الآخر الى قسمين وكانت هناك قطيعه وممنوعات وحرب بارده وحدود . لكن ابو علي لم يتقيد بكل ذلك ورفض ان يحسب على اي من القاطعين. وبقى يتجول من غرفه الى اخرى وبيده كراسه الشعري وقصاصات ورق واقلام رصاص.
كانت الفضيليه اصلا اصطبل لخيول الوصي الامير عبد الاله في العهد الملكي قبل ان تحولها جمهوريه الضباط الاحرار الى معتقل للسياسين لذا استفدنا من مكاسب كانت قد حصلت عليها خيول الوصي وهي تلك الساحه الواسعه والتي تحولت مكانا للندوات الشعريه التي اقامها ابو علي في الهواء الطلق ولم يكن الحراس يرتابون منا فالقلعه محروسه جيدا بدوريات راجله وقطعان من الكلاب السائبه الجائعه التي سمح لها بالتسلل داخل الاسلاك الشائكه للبحث عن طعام داخل فضلات الاكل القليله التي ترمى هناك. وتحت سماء مرصعه بنجوم ليالى الصيف كان الحسيني ينشدنا شعره بصوته العذب الحزين غير حافل بالحراس الذين انتشروا على السطوح لمراقبه المشهد الذي بات يتكرر. اصبح منتدى بحق. كان المرحوم ثابت حبيب العاني احد رواده. كان يقطع البوابه مستعينا بعصا على السير.
وخارج الشعر كانت سخريته لاذعه وذات دلالات واتذكر كيف جلسنا ذات مساء في حلقه تشبه حلقه الدراويش يديرها معتقل اسمه جاسب كريم حرص ان يقيمها كل مساء جمعه يتحدث فيها عن فضائل النظم الملكي ويبين الفوارق الجوهريه بينه وبين النظام القيصري في روسيا. ذات مره انبرى له معتقل حديث بالسؤال:كيف توفق بين كونك معتقل شيوعي وبين الدعايه للملكيه. وقبل ان يرد صاحبنا، علق الشاعر الحسني :لاتعجب هو شيوعي من جماعه الملك ويجي يوم اتشوف شيوعي من جماعه الاستعمار! امتعض البعض وقهقه غيرهم بينما ترك العاني المكان وتبعه الحسيني ملاطفا
هل كان يتنبأ ام انه امتلك جدليه اخرى لانعرفها لقراءة التاريخ والاحداث وسايكلوجيه الاحزاب؟ ذكرته بكل دلك وانا التقيه بعد عقود في بغداد بعد الحرب الامبرياليه الجديده كما يسميها الشارع الغربي واستنكر التسميه وسخط انصار الحزب الشيوعي العراقي وانصار الحوزات..كنت ابحث عن كتب عتيقه في شارع المتنبي وكان هو يجري مقابله مع مراسل تلفزيون ايطاليا وبعد ان اطمأن اني لم آتي مع قوات الاحتلال راح يحدثني عن شجونه شاكيا مستفسرا حائرا ناقما: اتدري أن فلان كاتب القصه القصيره جدا اصبح مثقف غيستابو الاحتلال وانه متعاقد مع وزاره الدفاع الامريكيه ويهاجم ويزايد على الرفيق الكاتب فلان لانه متعاقد ويخدم في اجنده الخارجيه الامريكيه؟ والآخر في السي آي ايه؟وبعد صمت تدري آخر دعايه قلت لا.قال يقولون في مكان ما ان بوش من ذريه الحسين . يعني ابن عمي! بس مارايح اوقع عقد معهم . تعال نذهب الى مطعم رخيص لنتغدى كما كنا نفعل في الماضي واقرأ لك آخر قصائدي عنها. عن الحبيبه...

خالد الياسري